المنى والآمال ، وأمدّوا بالآلات والعدد والأموال ، كيف طحنهم بكلكله « 1 » المنون ، واختدعهم بزخرفه الدّهر الخئون « 2 » ، وأسكنوا بعد سعة القصور بين الجنادل « 3 » والصخور ، وعاد العين « 4 » أثرا ، والملك خبرا ، فأمّا اليوم فقد ذهب صفو الزّمان وبقي كدره ، فالموت اليوم تحفة لكل مسلم ، كأن الخير أصبح خاملا ، والشر أصبح ناظرا ، وكأن الغبىّ أصبح ضاحكا والرشيد باكيا ، وكأن العدل أصبح غائرا ، وأصبح الجور عاليا ، وكأن العقل أصبح مدفونا والجهل منشورا ، وكأن اللؤم أصبح باسقا ، والكرم خاويا ، وكأن الودّ أصبح مقطوعا والبغضاء موصولة ، وكأن الكرامة قد سلبت من الصالحين ، وتوخّي بها الأشرار ، وكأن الخبّ « 5 » أصبح مستيقظا والوفاء نائما ، وكأنّ الكذب أصبح مثمرا والصدق ماحلا ، وكأن الأشرار أصبحوا يسامون « 6 » السماء ، وأصبح الأخيار يردون بطن الأرض ، أما ترى الدنيا تقبل إقبال الطالب ، وتدبر إدبار الهارب ، وتصل الملول « 7 » ، وتفارق فراق العجول ، فخيرها يسير ، وعيشها قصير ، وإقبالها خديعة ، وإدبارها فجيعة ، ولذّاتها فانية ، وتبعاتها باقية ، فاغتنم غفوة الزمان ، وانتهز فرصة الإمكان ، وخذ من نفسك لنفسك ، وتزوّد من يومك لغدك ، ولا تنافس أهل الدنيا في خفض عيشهم ، ولين رياشهم « 8 » ، ولكن انظر إلى سرعة ظعنهم « 9 » ، وسوء منقلبهم ، قال الشاعر « 10 » :
ربّ مغروس يعاش به * عدمته عين مغترسه
وكذاك الدّهر مأتمه * أقرب الأشياء من عرسه
هامش
( 1 ) الكلكل : الصدر ، أو ما بين الترقوتين ، الكلكل من الفرس : ما بين محزمه إلى ما مسّ الأرض منه إذا ربض .
( 2 ) الخئون والخوّان : كثير الخيانة .
( 3 ) الجنادل : الصخور العظيمة .
( 4 ) العين : شريف القوم ، أو ما يشاهد ويعاين .
( 5 ) الخبّ : الخداع .
( 6 ) من سما يسموا : أي علا وارتفع .
( 7 ) الملول : سريع الملل والسأم .
( 8 ) الرياش : ما كان فاخرا من الأثاث .
( 9 ) ظعنهم : رحيلهم وسفرهم .
( 10 ) هذه الأبيات للشاعر الضرير سليمان بن مسلم بن الوليد ( انظر الوافي بالوفيات 15 / 261 ، والبيان والتبين 1 / 486 ) .