لهما ، فإذا هو ليس به ، فدعا فردّ ، ثم دلّتاه على قبر آخر ، فدعا أن يخرج فخرج ، فإذا هو ، فلزمتاه وسلّمتا عليه ، ثم قالتا : يا نبيّ الله ، يا معلّم الخير ، ادع الله تعالى أن يبقيه معنا ، فقال : وكيف أدعو له ولم يبق له رزق يعيش به ؟ ثم ردّه وانصرف .
وأنشدني بعض الأدباء « * » :
وا أسفي من فراق قوم * هم المصابيح والحصون
والمزن والمدن والرّواسي * والخير والأمن والسّكون « 1 »
لم تتغيّر بنا الليالي * حتّى توفّتهم المنون « 2 »
فكلّ جمر لنا قلوب * وكلّ ماء لنا عيون
وروي أن النعمان بن المنذر « 3 » . خرج متصيدا ، ومعه عدي بن زيد « 4 » ، فمروا بشجرة ، فقال عديّ بن زيد : أيها الملك ، أتدري ما تقول هذه الشجرة ؟
قال : لا ، قال : إنها تقول :
من رآنا فليحدّث نفسه * أنّه موف على قرب زوال « 5 »
وصروف الدّهر لا يبقى لها * ولما تأتي به صمّ الجبال
ربّ ركب قد أناخوا حولنا * يشربون الخمر بالماء الزّلال
عمروا الدّهر بعيش حسن * آمني دهرهم غير عجال
عصف الدّهر بهم فانقرضوا * وكذاك الدّهر حالا بعد حال
قال : ثم جاوزوا الشجرة ، فمروا بمقبرة ، فقال له عديّ : أيّها الملك ، أتدري ما تقول هذه المقبرة ؟ قال : لا ، قال : إنّها تقول :
أيا الرّكب المخبّونا * على الأرض المجدّونا « 6 »
كما أنتم كذا كنّا * كما نحن تكونونا
هامش
* نسب صاحب كتاب وفيات الأعيان هذه الأبيات إلى الشاعر الوزير عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ، الشاعر الوزير ، توفي سنة 300 ه .
( 1 ) المزن : السحاب . الرواسي : الجبال .
( 2 ) في تاريخ بغداد وكتاب الأمالي في لغة العرب : [ لم تتغير لنا الليالي . . . ] .
( 3 ) النعمان بن المنذر : أشهر ملوك الحيرة اللخميين وآخرهم ، خلعه كسرى وسجنه في المدائن ، وعرف بأبي قابوس ، وقيل : أنه صاحب يومي « البؤس والنعيم » ، مات حوالي سنة 608 م . ( الأعلام 8 / 43 ) .
( 4 ) عدي بن زيد : سبقت ترجمته .
( 5 ) في ( ط ) سؤال بدل زوال ، وكلاهما صحيح ، وفي الحماسة البصرية ( قروب الزوال ) .
( 6 ) الركب : أصحاب الإبل في السفر ، والخب ضرب من المشي . والمعنى : أنكم تسيرون بجد وسرعة .