وروي أنّ عليّ بن أبي طالب « 1 » رضي الله عنه ، لما رأى فاطمة « 2 » رضي الله عنها ، مسجّاة « 3 » بثوبها ، بكى حتى رثى له « 4 » ، ثم قال :
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة * وإنّ الذي دون الممات قليل
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل
وإنّ افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل
ثم قال :
ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كلّ خليل
أراك بصيرا بالذين أحبّهم * كأنّك تنحو نحوهم بدليل
ولما نفض يديه من ترابها ، تمثّل بقول بعض بني ضبّه « 5 » :
أقول وقد فاضت دموعي حسرة * أرى الأرض تبقى والأخلّاء تذهب
أخلّاى ! لو غير الحمام أصابكم * عتبت ، ولكن ما على الموت معتب « 6 »
وقال العتّابي « 7 » :
قلت للفرقدين والليل ملق * سود أكنافه على الآفاق « 8 »
أبقيا ما بقيتما فسيرمى * بين شخصيكما بسهم الفراق
غرّ من ظنّ أن يفوت المنايا * وعراها قلائد الأعناق « 9 »
كم صفيّين متّعا باجتماع * ثم صارا لغربة وافتراق « 10 »
لا يدوم البقاء للخلق لك * نّ داوم البقاء للخلّاق
هامش
( 1 ) علي بن أبي طالب : رابع الخلفاء الراشدين ، سبقت ترجمته .
( 2 ) فاطمة بنت محمد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أم الحسنين وزوجة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، توفيت بعد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بخمسة أشهر . ( الأعلام 4 / 295 ) .
( 3 ) مسجاة بثوبها : مغطاة به .
( 4 ) رثي له : رق الناس لحاله .
( 5 ) في ( ط ) بني أمية والصحيح ( بني ضبّه ) نسبة إلى ضبّه بن أدّ ، من بني عدنان ، ومنازلهم في جوار بني تميم ، بالناحية الشمالية من نجد ، وقائل هذه العبارة هو : الغطمش الضبي ، كما ذكر ذلك صاحب لسان العرب ( 4 / 674 باب : عتب ) ، وذكر البيت الأول بلفظ مشابه للمذكور هنا .
( 6 ) الإخلاء : جمع خليل ، وهو : الصديق . والحمام : الموت . والعتب : الموجدة .
( 7 ) العتابي : كلثوم بن عمرو التغلبي ، شاعر بليغ من أهل الشام ، مدح الخلفاء والأمراء والبرامكة ، وكان يتكسب بالشعر ، مات سنة 220 ه . ( الأعلام 5 / 231 ) .
( 8 ) الفرقدان : نجمان قريبان من القطب الشمالي يهتدى بهما . الأكناف : الجوانب والظلال ، كنف الطائر :
جناحه ، وكنف الإنسان : حضنه .
( 9 ) العرى : جمع عروة ، وهي طوق القلادة .
( 10 ) الصفي : الصديق .