المصحفى : عن هؤلاء الرجال أخبرتك ، إنه ليس في عسكرك منه ألف ، ولا خمسمائة ، ولا مائة ، ولا خمسون ، ولا عشرون ، ولا عشرة . فرد ابن المصحفى إلى منزله وأكرمه .
واعلم أن أوّل الحرب شكوى ، وأوسطها نجوى ، وآخرها بلوى ، الحرب شعثاء « 1 » عابسة « 2 » ، شوهاء « 3 » كالحة « 4 » ، حرور « 5 » في حياض الموت ، شموس في الوطيس « 6 » ، تتغذى بالنفوس ، الحرب أولها الكلام وأخرها الحمام « 7 » مرة المذاق إذا قلصت عن ساق « 8 » ، من صبر فيها عرف ، ومن ضعف عنها تلف ، جسم الحرب الشّجاعة ، وقلبها التدبير ، وعينها الحذر ، وجناحها الطاعة ، ولسانها المكيدة ، وقائدها الرفق ، وسائقها النّصر .
وقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم « الحرب خدعة » « 9 » وقالوا : الحرب غشوم ، سميت بذلك لأنها تتخطى إلى غير الجاني .
قال الشاعر :
لم أكن من جناتها علم الله * وإنّى بحرّها اليوم صالى
وقال آخر :
رأيت الحرب يجنيها أناسّ * ويصلى حرّها قوم براء
وقال آخر :
الحرب أوّل ما تكون فتيّة * تسعى ببزّتها لكلّ جهول « 10 »
حتى إذا اضطرمت وشبّ ضرامها * عادت عجوزا غير ذات خليل « 11 »
شمطاء ينكر لونها وتغيّرت * مكروهة للشّمّ والتقبيل « 12 »
هامش
( 1 ) الشعث : انتشار الأمر .
( 2 ) اليوم العبوس : الشديد .
( 3 ) الشوهاء : القبيحة .
( 4 ) الكالحة : التي تكشر في عبوس .
( 5 ) الحرور : الريح الحارة .
( 6 ) الوطيس : التنور .
( 7 ) الحمام : الموت .
( 8 ) قلصت عن ساق : كشفت ، وكل هذه الصفات تدل على قبح الحرب وشدّتها .
( 9 ) الحديث : رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر وأبي هريرة وعن أنس وغيرهم والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 3812 ) .
( 10 ) البزّة : الهيئة .
( 11 ) اضطرمت النار : اشتعلت .
( 12 ) الشمطاء : من خالط بياض شعر رأسها سوادا .