رجل إذا التقى الجمعان ، وتزاحف الزحفان ، واكتحلت الأحداق بالأحداق « 1 » ، برز من الصف إلى وسط المعترك ، يحمل ويكر ، وينادى : هل من مبارز ؟
والثاني : إذا التحم القوم واختلطوا ، ولم يدر أحد من أين يأتيه الموت ، يكون رابط الجأش ، ساكن القلب ، حاضر اللّبّ ، لم يخامره الدّهش ، ولا خالطته الحيرة ، فينقلب بقلب المالك لأمره ، القائم على نفسه .
والثالث : إذا انهزم أصحابه ، يلزم السّاقة « 2 » ، ويضرب في وجوه القوم ، ويحول بينهم وبين عدوّهم ، ويقوّى قلوب أصحابه ويرجى « 3 » ضعيفهم ، ويمدّهم بالكلام الجميل ، ويشجّع نفوسهم ، فمن وقع أقامه ، ومن وقف حمله ، ومن كردس فرسه « 4 » كشف عنه ، حتى ييأس العدو منهم ، وهذا أحمدهم شجاعة .
وعن هذا قالوا : المقاتل وراء الفارّين كالمستغفر من وراء الغافلين ، ومن أكرم الكرم : الدفاع عن الحرم .
وقالوا : لكل واحد يومان لا بدّ منهما : أحدهما : لا يعجل عليه ، والثاني : لا يغفل عنه ، فما للجبان والفرار ؟ !
وكان شيوخ الجند يحكون في بلادنا « 5 » قالوا : دارت حرب بين المسلمين والكفار ، ثم افترقوا ، فوجدوا في المعترك قطعة من بيضة الحديد ، قدّر ثلثها بما حوته من الرأس ، فيقال : أنه لم ير قطّ ضربة أقوى منها .
وكان شيوخ الجند في بلدنا - طرطوشة - يحكون : انهم خرجوا في أيام سيف الملة « 6 » في سرية إلى بلاد العدو ، فبينما هم يسيرون ، إذ لقيتهم سرية للروم ، يريدون منّا ما نريد منهم ، قال : وعرف بعضهم بعضا ، وكان فينا صناديد الفرسان ، وفيهم صناديد الروم ، فتواقفنا ساعة ، ثم شددنا وشدّوا ، فالتقينا ، وتجالدنا ساعة ، ثم منحنا الله تعالى أكتافهم ، فجعلناهم حصيدا
هامش
( 1 ) الأحداق : العيون والأنظار أي : حدد وحدق كل منهم النظر إلى الآخر .
( 2 ) الساقة : مؤخرة الجيش .
( 3 ) يرجي : يؤخر .
( 4 ) كردس الفرس : جمعت يداه ورجلاه بمعنى وقع أو قيّد .
( 5 ) طرطوشة : بلد أبو بكر الطرطوشى في الأندلس .
( 6 ) سيف الملة : لقب أحد حكام طرطوشة .