الباب الستون في بيان الخصلة التي هي أمّ الخصال وينبوع الفضائل ، ومن فقدها لم يكمل فيه خصلة وهي الشجاعة ، ويعبّر عنها بالصبر ، ويعبر عنها بقوة النفس
قالت الحكماء : أصل الخيرات كلّها في ثبات القلب ، ومنه تستمد جميع الفضائل ، وهو الثبوت والقوة على ما يوجبه العدل والعلم ، والجبن غريزة يجمعها سوء الظن بالله تعالى ، والشجاعة غريزة يجمعها حسن الظن بالله تعالى .
سئل الأحنف « 1 » عن الشجاعة ، فقال : صبر ساعة .
وسئل أبو جهل « 2 » عن الشجاعة ، فقال : تصبرون على حرّ السيوف فواق ناقة « 3 » - وهو ما بين الحلبتين - .
واعلم أن القادم للقتال « 4 » طريدة من طرائد الموت ، فاستقبال الموت خير من استدباره .
وقد قال الأول : ربّ حياة سببها التعرّض للوفاة ، ووفاة سببها طلب الحياة ، ومن حرص على الموت في الجهاد وهبت له الحياة .
وقالوا : الهزيمة شفرة من شفار الموت ، والفارّ يمكّن من نفسه ، والمقاتل يدفع عن نفسه .
وقالوا : ثمرة الشجاعة الأمن من العدو .
واعلم : ان من قتل في الحرب مدبرا أكثر ممن قتل مقبلا .
هامش
( 1 ) هو الأحنف بن قيس سبقت ترجمته .
( 2 ) أبو جهل عمرو بن هشام من أعداء الإسلام قتل في معركة بدر سنة 2 ه . وكان زعيم بنى مخزوم في قريش . ( الأعلام 5 / 87 ) .
( 3 ) حر السيوف : شدة القتال ، وفواق ناقة : ما بين الحلبتين من الوقت لأنها تحلب ثم تترك بعض الوقت يرضعها الفصيل لتدر ثم تحلب ثانية من ذلك قوله تعالى :ما لَها مِنْ فَواقٍأي راحة أو نظرة وإفاقة ، وتقرأ بفتح الفاء وضمها ( مختار الصحاح ، باب فوق ) .
( 4 ) في ( خ ) واعلم أن الفارّ من القتال .