وقال يحيى بن زيد « 1 » : قلت للحسن بن علي رضى اللّه عنهما لما سقى السم : أخبرني من سقاك ؟ فدمعت عيناه ، وقال : أنا في آخر قدم من الدنيا ، وأول قدم من الآخرة تأمرني أن أغمز « 2 » .
وقال رجل للمهدى « 3 » : عندي نصيحة يا أمير المؤمنين ، قال : لمن نصيحتك هذه ؟ ألنا ؟ أم لعامة المسلمين ؟ أم لنفسك ؟ قال : لك يا أمير المؤمنين ، قال المهدى : ليس السّاعى بأعظم عورة ، ولا أقبح حالا ، ممن قبل سعايته ، ولا تخلو من أن تكون حاسد نعمة ، فلا نشفى لك غيظا ، أو عدوا فلا نعاقب لك عدوّك ، ثم أقبل على الناس ، قال : أيها الناس : لا ينصح لنا ناصح إلا بما لله فيه رضا ، وللمسلمين فيه صلاح .
وروى : أن ساعيا سعى برجل إلى الفضل بن سهل « 4 » ، فوقّع « 5 » على ظهر كتابه : نحن نرى قبول السّعاية أشرّ من السعاية ، لأن السعاية دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز ، لأن من فعل أشرّ ممن قال .
ويروى : أن رجلا رفع إلى المنصور « 6 » نصيحة فوقع على ظهرها : هذه نصيحة لم يرد بها وجه اللّه تعالى ، ولا جواب عندنا لمن آثرنا على اللّه تعالى .
وروي أن رجلا قال للمأمون : يا أمير المؤمنين ، اللّه الله في أصحاب الأخبار ، فإنهم قوم إن أعطوا كذبوا ، وإن حرموا كذبوا . فإن أعطوا مدحوا وهم كاذبون ، وإن حرموا ذمّوا وهم كاذبون ، فقال المأمون : لله درها من كلمة ما أقصدها وأبين فضلها ، وأمر أن تثبّت في أمور أصحاب الأخبار .
وقال مروان بن زنباع العبسي « 7 » : يا بنى عبس احفظوا عنى ثلاثا : من نقل
هامش
( 1 ) يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أحد الأبطال الأشداء ، ثار مع أبيه ضد الأمويين ، وقتل أبوه وصلب ثم قتل هو وأرسل رأسه إلى الوليد بن يزيد في دمشق سنة 125 ه ، ( الأعلام 8 / 146 ) .
( 2 ) غمز غمزا بالرجل : طعن عليه وسعى به شرّا .
( 3 ) المهدى : محمد بن المنصور ، ثالث الخلفاء العباسيين سبقت ترجمته .
( 4 ) الفضل بن سهل : وزير الخليفة المأمون بن هارون الرشيد قبل أن يقتله سبقت ترجمته .
( 5 ) التوقيع : الحاق شيء في الكتاب بعد الفراغ منه .
( 6 ) المنصور : أبو جعفر عبد اللّه الخليفة العباسي الثاني وقد سبقت ترجمته .
( 7 ) مروان بن زنباع العبسي من رجالات بنى عبس وحكمائهم ويعتبر من الرجال الأوفياء من العرب ، قيل أنه كان من وفائه أن أخذ عودا من الأرض ودفعه رهنا بمائة من الإبل ووفّى بها ( المحبّر - محمد بن حبيب - ص 350 ، 351 ) .