العامل من غير رشوة ، وإن كان حلالا ، فلا يستحق ذلك ، لأن له بالإمرة قوة على أن ينال من الحلال ما لا يناله غيره ، فجعله كالمضارب للمسلمين .
ولما دفع أبو موسى الأشعري مالا من بيت المال ، لعبد اللّه وعبيد الله ، ابني عمر بن الخطاب بالبصرة ، اشتريا منه بضاعة ، فربحت بالمدينة ، فأراد عمر أن يأخذ جميع الربح ، فراجعه عبيد الله ، فحكم بينهم بنصف الربح ، فأخذا جميعا نصف الربح ، وأخذ عمر النصف لبيت المال .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله : أما بعد ، فإنما هلك من كان قبلكم ، بمنعهم الحق حتى يشترى ، وبسطهم الباطل حتى يفتدى ، الملك بالدين يقوى ، والدين بالملك يبقى .
وكان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، يأمر إذا قدم عليه العمال ، أن يدخلوا نهارا ولا يدخلوا ليلا ، كي لا يحتجبوا شيئا من الأموال .
وقال عتاب بن أسيد « 1 » : والله ما أصبت في عملي الذي ولّاني النبي صلى اللّه عليه وسلم إلا ثوبين معقّدين ، كسوتهما مولاي كيسان .
وروى أن عليّا رضى اللّه عنه ، استعمل أبا مسعود الأنصاري « 2 » على السواد ، فرجع إلى داره وقد امتلأت ، فقال : ما هؤلاء ؟ قالوا : كذلك يصنعون بالرجل إذا استعمل « 3 » ، قال : كل هؤلاء يريدون أن يأكلوا في أمانتي ؟ - ويروى في إمارتى ؟ - فرجع إلى علىّ رضي اللّه عنه ، وقال : لا حاجة لي في العمل .
وقد ذكرنا أن النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا عبد الرحمن بن سمرة « 4 » ليستعمله ، فقال : يا رسول اللّه اختر لي . قال اقعد في بيتك .
وفي الأمثال : أن الهديّة تعمي وتصمّ .
وقال بعض الحكماء : الرشوة رشاء « 5 » الحاجة .
هامش
( 1 ) عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس ، استعمله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مكة حين مخرجه إلى حنين سنة 8 ه . وقد سبقت ترجمته .
( 2 ) أبو مسعود الأنصاري : هو عقبة بن عمرو بن ثعلبه الأنصاري من الخزرج ، صحابي شهد العقبة وغزوة أحد وما بعدها ، ونزل الكوفة ، وكان من أصحاب على رضى اللّه عنه فاستخلفه عليها لما سار إلى صفين وتوفى بها سنة 40 ه ( الأعلام 4 / 240 ) .
( 3 ) أي صار عاملا أو واليا .
( 4 ) عبد الرحمن بن سمرة ، صحابي من القادة الولاة ، أسلم يوم فتح مكة ، وشهد غزوة مؤتة ، سكن البصرة وافتتح سجستان ووليها ثم عاد إلى البصرة وتوفى فيها سنة 50 ه ، سبقت ترجمته .
( 5 ) الرشوة : ما يعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل . الرشا : الحبل عموما أو حبل الدلو .