وأشهد له بالربوبية والوحدانية ، وبما شهد به لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ، والنعوت الأوفى
أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
[ الأعراف : 54 ] .
وأؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، ونحن له مسلمون ، وأشهد أن محمدا عبده المصطفى ، وأمينه المرتضى ، أرسله إلى كافة الورى ، بشيرا ونذيرا
وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً
[ الأحزاب : 46 ] صلى اللّه عليه وعلى أهل بيته الطاهرين ، وأصحابه المنتخبين ، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين .
أما بعد :
فإنّي نظرت في سير الأمم الماضية ، والملوك الخالية ، وما وضعوه من السياسات في تدبير الدول ، والتزموه من القوانين في حفظ النّحل « 1 » ، فوجدت ذلك نوعين : أحكاما ، وسياسات .
فأما الأحكام المشتملة على ما اعتقدوه من الحلال والحرام ، والبيوع والأحكام ، والأنكحة والطلاق ، والإجارات ونحوها ، والرسوم الموضوعة لها ، والحدود القائمة على من خالف شيئا منها ، فأمر اصطلحوا عليه بعقولهم ، ليس على شيء منه برهان ، ولا أنزل اللّه به من سلطان ، ولا أخذوه عن نذير « 2 » ، ولا اتبعوا فيه رسولا ، وإنما هي صادرة عن خزنة النيران ، وسدنة بيوت الأصنام وعبدة الأنداد والأوثان ، وليس يعجز أحد من خلق اللّه أن يصنع من تلقاء نفسه أمثالها وأشباهها .
وأما السياسات التي وضعوها في التزام تلك الأحكام ، والذبّ عنها ، والحماية لها ، وتعظيم من عظّمها ، وإهانة من استهان بها وخالفها ، فقد ساروا في ذلك بسيرة العدل وحسن السياسة ، وجمع القلوب عليها ، والتزام النّصفة « 3 » فيما بينهم ، على ما توجبه تلك الأحكام ، وكذلك في تدبير الحروب ، وأمن السّبل ، وحفظ الأموال وصون الأعراض والحرم ، كل ذلك فقد
هامش
( 1 ) النّحل : جمع نحلة وهي المذهب أو الديانة .
( 2 ) في ( خ ) ولا أخذوه عن تدبر .
( 3 ) النّصفة : أي العدل والإنصاف .