بالعلم قوية ، ودراسة طويلة ، فكيف يكون حاله ، لو لم يعد لهذه الأمور عدتها ، ولم يقدم لها أهبتها ! .
والثاني : أن من سواه من الناس لا يعدمون من ينكر عليهم ويعارضهم ، ويذكر لهم مساوئهم ، ويخالفهم في مذاهبهم ، فيكون ذلك مما يعينهم على رياضة أنفسهم ويعلّمهم مراشدهم « 1 » .
ومناظرة الأكفاء ، ومعاشرة النظراء : تلقيح للعقول ، وتهذيب للنفوس « 2 » ، وتدريب لمآخذ الأحكام ، بخلاف السلطان ، فإن ارتفاع درجته يقطع عنه جميع ذلك ، إذ لا يلقاه ولا يجالسه إلا معظّم لقدره ، مبجّل لشأنه ، وساتر لمساوئه ، ومادح له بما ليس فيه . وإنما جوابهم له ؛ صدق الأمير .
وعلى قدر المرتبة ، يكون علو السّقطة ، كما أن على قدر ارتفاع الحائط يكون صوت الوجبة « 3 » .
* * *
* فصل [ في طلب العلم ] « * » :
يا أيّها الملك : ليس أحد فوق أن يؤمر بتقوى الله ، ولا أحد دون أن يأمر بتقوى الله ، ولا أحد أجلّ قدرا من أن يقبل أمر الله ، ولا أرفع خطرا من أن يتعلم حكم الله ، ولا أعلى شأنا من أن يتّصف بصفات الله ، ومن صفات الله تعالى العلم الذي وصف به سبحانه نفسه ، وتمدح بسعته ، فقال تعالى :
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
[ البقرة : 255 ] والكرسي هو العلم ، والكراسي هم العلماء .
وإذا كان العلم فضيلة ، فرغبة الملوك وذوي الأخطار والأقدار والأشراف والشيوخ فيه أولى ، لأن الخطأ فيهم أقبح ، والابتداء بالفضيلة فضيلة .
حكي أن : إبراهيم بن المهدي « 4 » دخل على المأمون وعنده جماعة
هامش
( 1 ) مراشدهم : مقاصدهم .
( 2 ) في ( ط ) تلقيح العقول وتهذيب النفوس .
( 3 ) الوجبة : صوت السقوط .
* من إضافات المحقق .
( 4 ) إبراهيم بن المهدي : هو عم الخليفة المأمون وأخو هارون الرشيد ، ولاه الرشيد إمرة دمشق ولما انتهت الخلافة للمأمون اتخذ فرصة اختلاف الأمين والمأمون للدعوة لنفسه فبايعه كثيرون ، فطلبه المأمون فاستتر فهدر دمه فجاءه مستسلما فسجنه ، ثم عاتبه المأمون فاعتذر فعفا عنه . وقد اشتهر بالغناء ، توفي سنة 224 ه ( الأعلام 1 / 59 ) .