الباب الحادي والعشرون في بيان حاجة السلطان إلى العلم
قال ابن المقفع « 1 » : إذا أكرمك الناس لمال أو سلطان ، فلا يعجبك ذلك ، فإن زوال الكرامة بزوالهما ، ولكن يعجبك إن أكرموك لأدب أو علم أو دين .
اعلم - أرشدك اللّه - أن أكثر الناس حاجة إلى النفقة أكثرهم عيالا وأتباعا وحشما وأصحابا ، والخلق مستمدون من السلطان ما له من الخلائق السنية « 2 » ، والطرائق العلية ، مفتقرون إليه في الأحكام ، وقطع التّشاجر ، وفصل الخصام ، فهو أحوج خلق الله إلى معرفة العلوم ، وجمع الحكم .
وشخص بلا علم كبلد بلا أهل ، وأفضل ما في السلطان خصوصا وفي الناس عموما ، محبة العلم والتحلّي به ، والشوق إلى استماعه ، والتعظيم لحملته ، فإن ذلك دليل على قوة الإنسانية فيه ، وبعده من البهيميّة ، ومضاهته للعالم العلوي ، وهو من أوكد ما يتحبّب به إلى الرعية ، وإذا كان الملك خاليا من العلوم ركب هواه ، وأضر برعيته ، كالدابة بلا رسن ، تمر في غير طريق ، وقد تتلف ما تمر به .
واعلم : أن زهر الفضائل ، وحسن المناقب ، وبهاء المحاسن ، وما ضادّ ذلك من قبح المثالب ، وفحش الرذائل ، كل ذلك يظهر عليك ويعظم منك ، بقدر ما أوتيته من علوّ المنزلة ، وشرف الحظوة « 3 » ، فيكون حسنك أحسن ، كما يكون قبحك أقبح .
وليس أحد من أهل الدرجات السّنية ، والمراتب العليّة ، أحوج إلى مجالسة العلماء ، وصحبة الفقهاء ، ودراسة كتب العلوم والحكم ، ومطالعة دواوين العلماء ، ومجامع الفقهاء ، وسير الحكماء من السلطان ، وإنما كان كذلك من وجهين :
أحدهما : أنه قد نصب نفسه لممارسة أخلاق الناس ، وفصل خصوماتهم ، وتعاطي حكوماتهم ، وكل ذلك يحتاج إلى علم بارع ، ونظر ثاقب ، وبصيرة
هامش
( 1 ) ابن المقفع : عبد اللّه بن المقفع ، سبقت ترجمته .
( 2 ) الخلائق أو الدرجات السنية : السنة الرفيعة .
( 3 ) الحظوة : علو المكانة عند الناس .