وفسقت « 1 » الفأرة من جحرها ، وخرجت الحيّة من معدنها « 2 » ، وجاء اللصّ بحيلته ، وهاج البرغوث مع حقارته ، فتعطلت المنافع ، واستطارت « 3 » فيهم المضارّ . كذلك السلطان إذا كان قاهرا لرعيّته ، كانت المنفعة به عامة ، وكانت الدماء في أهلها محقونة ، والحرم في خدورهن مصونة ، والأسواق عامرة ، والمرافق حاصلة ، والأموال محروسة والحيوان الفاضل ظاهرا ، والحيوان الشرير من أهل الفسوق والدّعارة خاملا .
وإذا اختل أمر السلطان : دخل الفساد على الجميع ، ولو جعل ظلم الناس حولا في كفة ، ثم جعل فساد الرعية وظلمهم وهرجهم في ساعة واحدة إذا اختل أمر السلطان في كفّة ، كان هرج « 4 » ساعة أعظم وأرجح من ظلم السلطان حولا ، وكيف لا ؟ وفي زوال السلطان ، أو ضعف شوكته سوق أهل الشّرّ ، ومكسب الأجناد « 5 » ، ونفاق أهل العيارة « 6 » والسّوقة ، واللصوص والمناهبة « 7 » .
وقال الفضيل « 8 » : جور ستين سنة خير من هرج ساعة « 9 » .
ولا يتمنّى زوال السلطان إلا جاهل مغرور ، أو فاسق يتمنى كلّ محذور ، فحقيق على كلّ رعية أن ترغب إلى الله تعالى في إصلاح السلطان ، وأن تبذل له نصحها ، وتخصه بصالح دعائها ، فإنّ في صلاحه صلاح العباد والبلاد ، وفي فساده فساد العباد والبلاد .
وكان العلماء يقولون : إذا استقامت لكم أمور السلطان ، فأكثروا حمد الله تعالى وشكره ، وإن جاءكم منه ما تكرهون ، وجّهوه إلى ما تستوجبونه
هامش
( 1 ) فسقت الفارة : خرجت من جحرها على الناس ، وتسمى الفارة ( الفويسقة ) لخروجها على الناس .
( 2 ) معدنها : مكان اقامتها ، يقال : ( عدن بالمكان : أقام فيه ) ومنها جنات عدن : أي جنات إقامة الخلود .
( 3 ) استطارت : انتشرت .
( 4 ) الهرج : الفتنة والاختلاط والقتل .
( 5 ) الأجناد : البلدان أو الجيوش .
( 6 ) يقال رجل عيّار : أي كثير التطواف والحركة يخلى نفسه وهواها .
( 7 ) المناهبة : السطو على مال الغير وأخذه قهرا .
( 8 ) الفضيل : هو الفضيل بن عياض ( سبقت ترجمته ) .
( 9 ) في ( ط ) هرج سنة .