وشهدت وأنا بالإسكندرية ، والصيد في الخليج مطلق للرعيّة ، والسمك يغلى به الماء من كثرته ، ويصيده الأطفال بالخرق ، ثم حجره الوالي ومنع الناس من صيده ، فذهب السمك ، حتى لا يكاد يرى فيه إلا الواحدة بعد الواحدة إلى يومنا هذا .
وهكذا تتعدّى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وروى أصحاب التواريخ في كتبهم ، قالوا : كان النّاس إذا أصبحوا في زمان الحجّاج « 1 » يتلاقون يتساءلون : من قتل البارحة ؟ ومن صلب ؟ ومن جلد ؟ ومن قطع ؟ وأمثال ذلك .
وكان الوليد « 2 » صاحب ضياع ، واتخاذ مصانع ، فكان الناس يتساءلون في زمانه عن البنيان ، والمصانع ، والضياع ، وشقّ الأنهار ، وغرس الأشجار .
ولما ولي سليمان بن عبد الملك « 3 » وكان صاحب نكاح وطعام ، فكان الناس يتحدثون في الأطعمة الدقيقة ، ويتوسعون في الأنكحة والسراري ، ويعمرون مجالسهم بذكر ذلك .
ولما ولي عمر بن عبد العزيز « 4 » كان النّاس يتساءلون : كم تحفظ من القرآن ؟ وكم وردك « 5 » في كل ليلة ؟ وكم يحفظ فلان ؟ ومتى يختم ؟ وكم تصوم من الشهر ؟ وأمثال ذلك .
* * *
هامش
( 1 ) الحجاج : أي الحجاج بن يوسف الثقفي ، الأمير على العراق في زمن الأمويين والمشهور ببطشه وجبروته .
( 2 ) الوليد : أي الوليد بن عبد الملك : الخليفة الأموي السادس الذي بلغت الدولة الأموية في عهده أوجها .
( 3 ) سليمان بن عبد الملك : الخليفة الأموي السابع الذي تولى الخلافة بعد أخيه الوليد .
( 4 ) عمر بن عبد العزيز : الخليفة الأموي الثامن الذي تولى الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك .
( 5 ) الورد : أي الجزء من القرآن الكريم .