وبهذا تبيّن لك أن الوالي مأجور على ما يتعاطاه ، من إقامة العدل ، ومأجور على ما يتعاطاه الناس بسببه ، وإذا جار السلطان انتشر الجور في البلاد ، وعمّ العباد ، فرقّت أديانهم ، واضمحلّت مروءاتهم ، ففشت فيهم المعاصي ، وذهبت أماناتهم ، فضعفت النفوس ، وقنطت القلوب ، فمنعوا الحقوق ، وتعاطوا الباطل ، وبخسوا المكيال والميزان ، وجوّزوا البهرج « 1 » ، فرفعت منهم البركة ، وأمسكت السّماء غيثها ، ولم تخرج الأرض زرعها ونباتها ، فقلّ في أيديهم الحطام ، فقنطوا وأمسكوا الفضل الموجود ، وتناحروا على المفقود ، فمنعوا الزكاة المفروضة ، وبخلوا بالمواساة المسنونة ، وقبضوا أيديهم عن المكارم ، وتنازعوا المقدار اللّطيف ، وتجاحدوا القدر الخسيس ، ففشت فيهم الأيمان الكاذبة ، والختل « 2 » في البيع ، والخداع في المعاملة ، والمكر والحيل في القضاء والاقتضاء ، ولا يمنعهم من السرقة إلا العار ، ومن الزنا إلا الحياء ، فيظلّ أحدهم عاريا عن محاسن دينه ، ومتجرّدا عن جلباب مروءته ، وأكثر همّه قوت دنياه ، وأعظم مسرّاته أكله من هذا الحطام ، ومن عاش كذلك ، فبطن الأرض خير له من ظاهرها .
قال وهب بن منبّه « 3 » : « إذا همّ الوالي بالجور ، أو عمل به ، أدخل الله النّقص في أهل مملكته : في الأسواق ، والزرع ، والضرع ، وكلّ شيء ، وإذا همّ بالخير والعدل ، أو عمل به ، أدخل الله البركة في أهل مملكته كذلك » .
وقال عمر بن عبد العزيز « 4 » : « تهلك العامّة بعمل الخاصّة ، ولا تهلك الخاصّة بعمل العامّة » ، والخاصة : هم الولاة .
وفي هذا المعنى قال الله سبحانه وتعالى :
وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
[ الأنفال : 25 ] .
وقال الوليد بن هشام « 5 » : « إنّ الرعيّة لتفسد بفساد الوالي ، وتصلح بصلاحه » .
هامش
( 1 ) البهرج : الباطل والردىء والزائف .
( 2 ) الختل : الغش والخداع .
( 3 ) وهب بن منبه : التابعي المؤرخ ، سبق ترجمته .
( 4 ) عمر بن عبد العزيز : الخليفة الأموي العادل ، سبقت ترجمته .
( 5 ) هو الوليد بن هشام المعيطى ، من رواة الحديث الثقات ، روى عنه الأوزاعي وغيره .