الملك إذا ملك ، زهّده الله في ماله ، ورغّبه فيما في يد غيره ، وأشرب قلبه الإشفاق « 1 » ، فهو يحسد على القليل ويسخط الكثير ، جذل الظاهر « 2 » حزين الباطن ، فإذا وجبت نفسه « 3 » ، ونضب عمره « 4 » ، ومحي ظلّه ، حاسبه الله فأشد حسابه ، وأقل عفوه ) .
وذكر السلطان لأعرابى فقال : والله لئن عزّوا في الدنيا بالجور ، لقد ذلّوا في الآخرة بالعدل ، وبقليل فان رضوا عن كثير باق ، وإنّما يكون الندم حين لا ينفع الندم .
وقال أبو بكر بن أبي مريم « 5 » ( حج قوم ، فمات صاحب لهم بأرض فلاة ، فلم يجدوا ماء ، فأتاهم رجل ، فقالوا : دلّنا على الماء ، قال : احلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا أنّه لم يكن فيكم . صرّافا « 6 » ، ولا مكّاسا « 7 » ، ولا عرّيفا « 8 » ، ولا بريدا « 9 » . ويروى : ولا عرّافا « 10 » فأنا أدلكم على الماء ، فحلفوا له ثلاثا وثلاثين يمينا ، فدلّهم على الماء ، ثم قالوا له : عاونّا على غسله ، فقال : احلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا - كما تقدم ذكره - فحلفوا له ، فأعانهم على غسله ، ثم قالوا : تقدّم وصلّ عليه . قال : لا ، حتى تحلفوا لي أربعا وثلاثين يمينا - كما تقدم - فصلّى عليه . ثم التفتوا ، فلم يجدوا أحدا . وكانوا يرون أنّه الخضر عليه السلام .
هامش
( 1 ) الإشفاق : الخوف مع الحرص والشفقة .
( 2 ) جذل الظاهر : الجذل : الفرح والطرب ، فهو جذلان في ظاهره . ويسخط الكثير : أي يمنعه .
( 3 ) وجبت نفسه : أي مات وسقط يقال للقتيل ( واجب ) ، ووجبت الشمس : غابت .
( 4 ) نضب عمره : انتهى ، يقال : نضب الماء إذا غار في الأرض .
( 5 ) أبو بكر بن أبي مريم : الغساني الشامي ، من زواة الحديث ، قال ابن حجر عنه ( ضعيف ) ، مات سنة 56 ه . ( تقريب التهذيب رقم 8003 ) .
( 6 ) الصراف : الذي يصرف الدراهم والدنانير و ( المحاسب ) .
( 7 ) المكّاس : هو من يأخذ الضرائب أو المكس ، وهي الدراهم التي تؤخذ من بائعى السلع عند بيعها في الأسواق أو عند إدخالها المدن .
( 8 ) العريف : هو القيم بأمر القبيلة أو المحلة ، يلي أمورهم ويتعرف منه الأمير على أحوالهم ، فهو دون الرئيس .
( 9 ) البريد : الذي يرسله الأمير في مهمة ما .
( 10 ) العرّاف المنجّم والمخبر عن الماضي والمستقبل .