فأجيئه فيها ، فإن تكن له حاجة فليجئ إلى حاجة نفسه ، فلما دفنوا ميّتهم قام بلال بمن معه إلى حلقة مالك ، فلما دنا منه نزل ، ونزل من معه ، ثم جاء يمشي إلى الحلقة حتى جلس ، فلما رآه مالك بن دينار سكت فأطال السكوت ، فقال له بلال : يا أبا يحيى ، ذكّرنا . فقال : ما نسيت شيئا فأذكّرك به ، قال : فحدّثنا . قال : أمّا هذا فنعم : قدم علينا أمير من قبلك على البصرة ، فمات فدفناه في هذه الجبّانة ، ثم أتينا بزنجي فدفنّاه إلى جنبه ، فوالله ما أدري أيّهما كان أكرم على الله سبحانه . فقال بلال : يا أبا يحيى ، أتدري ما الذي جرّأك علينا ، وما الذي أسكتنا عنك ؟ لأنك لم تأكل من دراهمنا شيئا ، أما والله لو أخذت من دراهمنا شيئا ما اجترأت علينا هذه الجرأة .
قال مالك : فأفادني هذا الحديث علما ، ألا فاتقوا دراهمهم .
ودخل ابن شهاب « 1 » على الوليد بن عبد الملك « 2 » ، فقال : يا ابن شهاب ، ما حديث يحدّثنا به أهل الشام ؟ قال : وما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : حدّثونا أنّ الله تبارك وتعالى إذا استرعى عبدا رعية كتب له الحسنات ، ولم يكتب عليه السيئات ، قال : كذبوا يا أمير المؤمنين ، أنبيّ خليفة أقرب إلى الله ، أم خليفة ليس بنبي ؟ قال : بل نبيّ خليفة ، قال : فأنا أحدّثك يا أمير المؤمنين بما لا تشك فيه ، قال الله تعالى لنبيّه داود :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ
[ ص : 26 ] ، يا أمير المؤمنين : فهذا وعيد الله لنبيّ خليفة ، فما ظنّك بخليفة غير نبي ؟ فقال الوليد : إنّ الناس ليغرّوننا عن ديننا .
وروى زياد « 3 » عن مالك بن أنس « 4 » قال : بعث إليّ أبو جعفر « 5 » وإلى ابن
هامش
( 1 ) ابن شهاب الزهري : سبقت ترجمته ( الأعلام 7 / 97 ) .
( 2 ) الوليد بن عبد الملك : الخليفة الأموي السادس ، سبقت ترجمته .
( 3 ) زياد : هو زياد بن عبد الله بن طفيل العمشي العامري أبو محمد ، راوي السيرة النبوية عن محمد بن إسحاق ، وعنه رواها عبد الملك بن هشام الذي رتبها ونسبت إليه ، توفي سنة 183 ه .
( الأعلام 3 / 54 ) .
( 4 ) مالك بن أنس : إمام دار الهجرة ، سبقت ترجمته .
( 5 ) أبو جعفر المنصور : الخليفة العباسي الثاني ، توفي سنة 158 ه ، سبقت ترجمته .