واستأذن أبو دهمان على بعض الأمراء « 1 » ، فحجبه ثم أذن له ، فلما دخل قال : إنّ هذا الأمر الذي صار إليك ، قد كان في يد غيرك ، فأمسوا والله حديثا ، فإن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، فتحبّب إلى عباد الله بحسن البشر ، ولين الجانب ، وتسهيل الحجاب ، فإنّ حبّ عباد الله موصول بحبّ الله ، وبغضهم موصول ببغضه ؛ لأنّهم شهداء الله على خلقه .
ولما دخل محمد بن واسع « 2 » سيد العبّاد في زمانه على بلال بن أبي بردة « 3 » ، أمير البصرة ، وكان ثوبه إلى نصف ساقه ، فقال له بلال : ما هذه الشهرة « 4 » يا ابن واسع ؟ فقال له ابن واسع : أنتم شهر شهرتمونا ، هكذا كان لباس من مضى ، وإنما أنتم طوّلتم ذيولكم ، فصارت السنّة بينكم بدعا وشهرة .
وأمّا أنا « 5 » : فلمّا دخلت على ملك مصر - وهو الأفضل بن أمير الجيوش « 6 » - فقلت : سلام عليك ورحمة الله وبركاته ، فردّ السلام على نحو ما سلّمت ردّا جميلا ، وأكرم إكراما جزيلا ، وأمرني بدخول مجلسه ، وأمرني بالجلوس فيه ، فقلت : أيها الملك ، إنّ الله سبحانه وتعالى قد أحلّك محلا عاليا شامخا ، وأنزلك منزلا شريفا باذخا ، وملّكك طائفة من ملكه ، وأشركك في حكمه ، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك ، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر منك ، وأنّ الله تعالى قد ألزم الورى « 7 » طاعتك ، فلا يكوننّ أحد
هامش
( 1 ) ذكر الجاحظ هذه القصة في البيان والتبيين ( 1 / 315 ، 316 ) وقد ذكر أن الأمير هو سعيد ابن سلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي ، وكان واليا على أرمينية ، وأن الذي استأذن عليه هو أبو دهمان الغلابي - شاعر من شعراء البصرة ممن أدرك دولتي بني أمية وبني هاشم ومدح المهدي . وكان طيبا ظريفا مليح النادرة . ( وانظر كذلك : وفيات الأعيان 4 / 88 ، والأغاني 22 / 258 ) .
( 2 ) محمد بن واسع : محمد بن واسع بن جابر الأزدي أبو بكر ، فقيه ورع ، ومن ثقات أهل الحديث ، ومن أهل البصرة الزهاد ، توفي سنة 123 ه . ( الأعلام 7 / 123 ) .
( 3 ) بلال بن أبي بردة ، عامر بن أبي موسى الأشعري ، أمير البصرة وقاضيها ، كان راوية أديبا فصيحا ، عزله يوسف بن عمر الثقفي ، وحبسه ومات سجينا نحو سنة 126 ه . ( الأعلام 2 / 72 ) .
( 4 ) الشهرة : الفضيحة . يقال : شهّر فلانا : فضحه وجعله شهرة .
( 5 ) أي الطرطوشي .
( 6 ) الأفضل بن أمير الجيوش : أحمد بن بدر الدين الجمالي ، كان وزيرا للملك الآمر بأحكام الله العبيدي - صاحب مصر - وله مع أبي بكر الطرطوشي حكاية طويلة تجدها في ترجمة المؤلف .
( 7 ) الورى : الخلق .