وهذا يعنى أن اسم [ الدهري ] واسم [ الزنديق ] قد يتطابقان على معنى واحد ، في اصطلاح المتقدمين ،
وجحد الصانع المدبر في صراحة ووضوح ، له حكمه الواضح الصريح الذي لا مواربة فيه ، وهو الكفر باللّه . وانطباق هذا الحكم - وهو الكفر - على جحد الصانع المدبر ، من انطباق المساوى على المساوى ، فليس الكفر باللّه إلا جحد الصانع المدبر ، وليس جحد الصانع المدبر إلا إنكار وجود اللّه ، أي الكفر به .
الصنف الثاني : الطبيعيون ، وهم قوم أكثروا بحثهم عن عالم الطبيعة .
وعن عجائب الحيوان ، والنبات .
وأكثروا الخوض في علم تشريح أعضاء الحيوانات .
فرأوا فيها من عجائب صنع اللّه تعالى ، وبديع حكمته ما اضطروا به إلى الاعتراف بقادر حكيم مطلع على غايات الأمور ومقاصدها .
ولا يطالع التشريح ، وعجائب منافع الأعضاء ، مطالع ، إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ، لا سيما بنية الإنسان .
إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ، ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به ، فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا ، وأنها تبطل ببطلان مزاجه ، فينعدم ثم إذا انعدم ، فلا يعقل إعادة المعدوم ، كما زعموا .
فذهبوا إلى أن النفس تموت ، ولا تعود ، فجحدوا الآخرة ، وأنكروا الجنة والنار ، والقيامة والحساب .
فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ، ولا للمعصية عقاب . فانحل عنهم اللجام ، وانهمكوا في الشهوات ، انهماك الأنعام .
وهؤلاء أيضا زنادقة : لأن أصل الإيمان هو :
الإيمان باللّه واليوم الآخر .
وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر ، وإن آمنوا باللّه وصفاته ]
وهذا يعنى أيضا أن اسم [ الطبيعي ] واسم [ الزنديق ] قد يتطابقان أيضا على
ميزان العمل — صفحة 30
مساهمون: الغزالي
ص٣٠