تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذريعة إلى مكارم الشريعة — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥

بيان حال من يجوز له الاستكثار من أعراض الدنيا ومن لا يجوز له ذلك

الاعتبار في تناول الدنيا والاستكثار منها أو الاستقلال والزهد فيها أو الرغبة ، ليس بتناول القليل والكثير بل بتناولها من حيث ما يجب ، ووضعها كما يجب . قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : ( لو أن رجلا أخذ جميع ما في الأرض وأراد به وجه اللّه سمي زاهدا ، ولو أنه ترك جميع ما في الأرض ولم يرد به وجه اللّه لا يسمى زاهدا ، ولا كان في ذلك للّه عابدا ) « 1 » . فليكن أخذك ما تأخذه ، وتركك ما تتركه للّه عز وجل لا لغيره . واعلم أن الحكيم إذا تناول أعراض الدنيا جرى مجرى راق حاذق ، يتناول حيّة قد عرف نفعها وضرها ، وأمن سمها وشرها ، فتحرى بتناولها الوجه الذي ينتفع هو به وينفع غيره ، فهو مباح له يتناوله . وغير الحكيم إذا تناولها فهو كجاهل استحسن الحية واستلان مسها ، فظن أنها مستصلحة لأن يتقلد بها ، فجعلها سخابا في عنقه ، فلدغته وقتلته ، وما أحسن ما قال الشاعر في وصفها :
هي دنيا كحية تنفث السم * وإن كانت المجسة لانت
فكما لا يجوز للجاهل بالرقية غير العارف بنفع الحية أن يقتدي بالراقي في تناوله الحية والتصرف فيها كذلك لا يجوز للجاهل أن يقتدي بالحكيم في
هامش
( 1 ) لم أجدها منسوبة للإمام عليّ ، ولكن الحارث المحاسبي ( ت 243 ه ) له عبارة بنفس المعنى وبلفظ قريب ذكرها دون أن ينسبها إلى أحد . الحارث المحاسبي / المسائل في أعمال القلوب والجوارح / 44 تحقيق عبد القادر أحمد عطا .