وقد قال بعض الحكماء : إن البخت بمنزلة امرأة صماء عمياء ورهاء « 1 » في حجرها جواهر ، وهي قاعدة على حجر مدور ، يتبعها ناس كثير يلتمسون ما عندها ، وهي لا تسمع قولا ولا ترى وجها ، وقد اعتزل عنها قوم قليلو العدد ، وقعدوا ناحية ، وفي كل ساعة تقبض قبضة مما في حجرها وتعطيها واحدا من القوم . لا تخص اتباعها بل ربما تخطئهم وربما تعطيهم « 2 » ، كأنها المعنية بقول من قال من الشعراء :
لا تمدحن ابن عباد وإن مطرت * كفاه جودا ولا تذممه إن ذمما
فليس يبخل إبقاء على نشب * ولن يجود بفضل المال معتزما
لكنها خطرات من وساوسه * يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وتارة تعرج على من أعطته فتسلبه سلبا وتدوسه بحجرها دوسا .
وأما الفضائل الأخروية : فكما قيل : العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك ، فإذا أعطيته كلك فأنت من إعطائه إياك بعضه على خطر ، ولهذا قال تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى . وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى
« 3 » .
هامش
( 1 ) ورهاء : كثيرة الشحم .
( 2 ) « لا تخص أتباعها بل ربما تخطئهم » سقط من ط وحدها .
( 3 ) النجم / 39 ، 40 .