وقد تقدم أن الإنسان لم يتميز عن الحيوان والبهائم إلا بالعقل ، ولم يشرف إلا بالعلم ، ومن شرف العلم أن كل حياة انفكت منه فهي غير معتد بها ، بل ليست في حكم الموجودة فإن الحياة الحيوانية لا تحصل ما لم يقارنها الإحساس فيلتذ بما يوافقه ويطلبه ، ويتألم بما يخالفه فيهرب منه ، وذلك أخس المعارف ، فمقتضى الحياة الإنسانية أنها إذا تعرّت من المعارف المختصة بها أن لا يعتد بها ، ولهذا سمى اللّه تعالى الجاهل ميتا في غير موضع من كتابه فقال :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
« 1 » ، ولأجل أن الحياة تقارن العلم سمى اللّه تعالى العلم روحا في قوله :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
« 2 » .
وقد ذكرنا أن حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى المال ؛ لأن العلم نافع لا محالة ونفعه دائم في الدنيا والآخرة ، والمال قد ينفع وقد يضر ، وإذا نفع فنفعه منقطع ، فمن استفاد علما ثم ضيعه أو تمكن من استفادته فأهمله فقد خسر خسرانا مبينا . كما قال تعالى :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
« 3 » .
هامش
( 1 ) الأنعام / 122 .
( 2 ) الشورى / 52 . ويلاحظ أن العلم المقصود هنا هو القرآن لأنه أصل العلوم والمعارف .
( 3 ) الأعراف / 175 ، 176 .