ولاختلاف النظرين قال قوم : العقل مبدع ، وقال قوم هو مكتسب ، وكلا القولين صحيح من وجه ووجه .
والعقل الغريزي للنفس بمنزلة البصر للجسد ، والمستفاد لها بمنزلة النور ، وكما أن البدن متى لم يكن له بصر فهو أعمى كذلك النفس متى لم يكن لها بصيرة أي العقل الغريزي فهي عمياء ، وكما أن البدن متى لم يكن له نور من الجو لم يفد بصره ، كذلك النفس متى لم يكن لها نور من العلم مستفاد لم تجد بصيرتها « 1 » ، ولذلك قال تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
« 2 » .
وقد جعل للعقل نظر وإدراك ورؤية وإبصار ، وجعل له أضداده من العمى وغيره ، قال اللّه تعالى :
وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
« 3 » وقال :
ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى
« 4 » وقال
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 5 » .
ولما كان فقدان البصيرة أشنع من فقدان البصر - لأن بارتفاع البصيرة ارتفاع النفع بالبصر - قال تعالى :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى
هامش
- وهو ضعيف ، وأورد في الجامع الصغير عن ابن عمر أيضا بلفظ « ما أهدى المرء المسلم هدية أفضل من كلمة حكمة يزيده اللّه بها هدى ، أو يرده بها عن ردى » كشف الخفاء / 2 / 180 .
( 1 ) في هذه الفقرة تبادلت النسخ ألفاظا متحدة المعنى آثرنا ما ذكرنا لتناسقه في المقارنة .
( 2 ) النور / 40 .
( 3 ) الأعراف / 198 .
( 4 ) النجم / 11 .
( 5 ) الأنعام / 75 .