وأما « محبة الحكمة » والانصراف إلى التصور العقلي واستعمال الآراء الآلهيّة فانّها خاصّة بالجزء الآلهي من الناس ، وليس يعرض لها شيء من الآفات التي تعرض للمحبّات الأخر الخلقيّة وضروب الفساد . ولذلك قلنا إنّها لا تقبل النّميمة ولا نوعا من الشرور ، لأنّها الخير المحض وسببها الخير الأول الذي لا تشوبه مادة ولا تلحقه الشرور التي في المادة ، وما دام الانسان يستعمل الاخلاق والفضائل الانسانية فإنها تعوقه عن هذا الخير الأول . وهذه السعادة الإلهية ، ولكن ليس يتمّ له الا بتلك .
ومن حصل تلك الفضائل بنفسه ثم اشتغل عنها بالفضيلة الإلهية فقد اشتغل
هامش
- الحاضر - يقول :
الطائفة الخامسة في عملية التجزئة الفرعونية للمجتمع هي : الطائفة التي تتهرّب من مسرح الحياة ، تبتعد عن المسرح وتتهرّب منه وتترهّب ، وهذه الرهبانية ظاهرة موجودة في كل مجتمعات الظلم على مرّ التأريخ ، وهي تتخذ صيغتين .
الأولى : صيغة جادّة ، رهبانيّة جادّة تريد أن تفرّ بنفسها لكي لا تتلوّث بأوحال المجتمع ، هذه الرهبانية الجادّة هي التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله :وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوهاالحديد / 27 .
هذه الرهبانية يشجبها الإسلام ، لأنّها موقف سلبي تجاه مسؤوليّة خلافة الإنسان على الأرض .
وهناك صيغة مفتعلة للرهبانية : يترهب ويلبس مسوح الرهبان ولكنّه ليس راهبا في أعماق نفسه ، وإنما يريد بذلك أن يخدّر الناس ويشغلهم عن فرعون وظلم فرعون ، ويسطو عليهم نفسيّا وروحيّا ، وهذا هو الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله :إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِالتوبة / 34 .
ويقول الشاعر إليا أبو ماضي :إن تك العزلة نسكا وتقى ، فالذئب راهب * وعرين الليث دير حبّه فرض وواجب
ليت شعري أيميت النسك أم يحيي المواهب ؟ * كيف يمحو النسك إثما وهو إثم ؟لست أدريقد دخلت الدير استنطق فيه الناسكينا * فإذا القوم من الحيرة مثلي باهتونا
غلب اليأس عليهم فهم مستسلمونا * وإذا بالباب مكتوب عليه :
لست أدري