مموّهة ، حتى إذا تجاسروا عليهم بالحديث المختلق يصرّحون لهم بما يفسد موادتهم ، ويشوّه وجوه أصدقائهم إلى أن يبغض بعضهم بعضا وللقدماء في هذا المعنى كتب مؤلفة يحذرون فيها من النميمة ، ويشبّهون صورة النمّام بمن يحك بأظافره أصول البنيان القوية حتى يؤثّر فيها ، ثم لا يزال يزيد ويمعن حتى يدخل فيها المعول فيقلعه من أصله ، « 1 » ويضربون له الأمثال الكثيرة المشبهة بحديث الثور مع الأسد في كتاب كليلة ودمنة . « 2 »
ونحن نكتفي بهذا القدر من الايماء لئلا نخرج عن رسم كتابنا ، وعمّا بنينا عليه مذهبنا من الإيجاز مع الشرح ، ولست أترك مع الايجاز والاختصار تعظيم هذا الباب وتكريره عليك ، لتعلم أنّ القدماء إنما ألّفوا فيه الكتب وضربوا له الأمثال ، وأكثروا فيه من الوصايا لما رأوه من النفع العظيم عن السامعين من الأخيار ، ولمّا خالفوه من الضرر الكثير على من يستهين به من الإغمار ، وليعلم انّ المثل المضروب في السباع القوية إذا دخل عليها الثعلب الرّواغ « 3 » على ضعفه فأهلكها ودمّرها ، وفي الملوك
هامش
( 1 ) . قال اللّه عز وجل في كتابه العزيز :وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍالقلم / 10 - 11 .
وعن النبي صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ النميمة والحقد في النار لا يجتمعان في قلب مسلم .
وعن الإمام علي عليه السّلام : « من سعى بالنميمة حاربه القريب ، ومقته البعيد » .
وعنه أيضا : « إيّاك والنميمة ، فإنّها تزرع الضغائن ، وتبعد عن اللّه وعن الناس » .
( 2 ) . كليلة ودمنة : كتاب يشتمل على عدد وافر من الحكايات الرمزية ، ألّفه الفيلسوف الهندي بيدبا) iapdiB (- الذي ازدهر حوالي عام 300 للميلاد - ونقله إلى العربيّة ، عن ترجمة له فارسية ، عبد اللّه بن المقفّع - في القرن الثامن للميلاد - اسم الكتاب في الأصل السنسكريتي هو « بانكاتانترا »artnat - acnaP، أي : الفصول الخمسة ، أمّا كليلة ودمنة ، اللذان سمى ابن مقفع ترجمته باسميهما فهما علمان على الثعلبين الشقيقين الوارد ذكرهما في باب « الأسد والثور » الذي يتصدّر الكتاب .
( 3 ) . الرّواغ والرويغة ، المكر والحيلة . الرّوّاغ : الكثير الخداع والمكر ، الثعلب لكثرة روغانه يقال :
هو ثعلب روّاغ ، وهم ثعالب روّاغة .