فإنما هي استعدادات فيها لقبول تماماتها من غير قصد ، ولا روية ولا إرادة .
وتلك الاستعدادات هي الشوق أو ما يجري مجرى الشوق « 1 » من الناطقين بالإرادة ، فأما ما يأتي للحيوانات في مآكلها ومشاربها وراحتها فينبغي ان يسمى بختا « 2 » أو اتفاقا ، ولا يؤهل لاسم السعادة كما يسمى في الانسان أيضا ، وانما استحسن الحد الذي ذكرنا للخير المطلق ، لأن العقل لا يطلق السعي والحركة لا إلى نهاية وهذا أول في العقل . ومثال ذلك ان الصناعات والهمم والتدابير الاختيارية كلها يقصد بها خير ما وما لم يقصد به خير ما ، فهو عبث والعقل يحظره ويمنع منه .
وبالواجب صار الخير المطلق هو المقصود اليه من كل الناس ، ولكن بقي ان يعلم ما هو وما الغاية الأخيرة منه التي هي غاية الخيرات التي ترتقي الخيرات كلها إليها ، حتى نجعله غرضنا ونتوجه اليه ولا نلتفت إلى غيره ، ولا تنتشر أفكارنا في الخيرات الكثيرة تؤدي اليه إما تأدية بعيدة واما تأدية قريبة ولا نغلط أيضا في ما ليس بخير فنظنه خيرا ثم تفنى اعمارنا في طلبه والتعب به ، وكلا سنبين بمشيئة اللّه وعونه .
1 - أقسام الخير
الخير على ما قسمه « أرسطو طاليس » وحكاه عنه « فرفوريوس » « 3 » وغيره هكذا
هامش
( 1 ) . الشوق ، مصدر ، وجمعه أشواق ، أي : نزوع النفس وحركة الهوى . الحب الشديد . اشتاق إليه :
نزعت نفسه إليه .
( 2 ) . البخت : الحظّ والسعد ( كلمة فارسية ) .
البخيت والمبخوت : المحظوظ .
( 3 ) . فرفوريوس) suiryhproP (234 - 305 ميلادي ، فيلسوف سوري يوناني . من مواليد صور لبنان الحالية ، يعتبر أحد أبرز ممثلي الفلسفة الأفلاطونية المحدثة ، تتلمذ على أفلوطين ، ووضع ترجمة لحياته . انتقد النصرانية انتقادا قاسيا في كتاب دعاه « ضد النصارى » .