مما بي « 1 » ، وذلك لقلة اتفاق الأشكال . ورأيت أنى إن كلفت أحدا ما لا يجده في خلقته ظلمته فيما أحمّله ، فطرحت عن نفسي العناية بما أوجبه وأبذله لمن صافيته .
فبذلت لهم لين الكنف وسلامة الغيب وحسن اللقاء وتحرى ما يحبون ، وسلامتهم ومسامحتهم « 2 » فيما تعذر عليهم ومنهم ، فان في ذلك بلغة ومتاعا إلى حين .
فاطرح عن نفسك طلب « 3 » الوفاء من الناس ، ولا تعلق « 4 » قلبك بحفظهم لعهدك إن كبا بك دهر « 5 » وعثر بك زمان ، فقد صرحوا بذلك لمن حسن ظنه بهم قبلك . فاحسم هذا الطمع منك ، وكذب ظنك إن ضمنه لك عليهم . وبالحرى إن استشعرت ما أمرتك « 6 » به ألا تموت أسفا عند إعراض الثقاة « 7 » عنك وإفرادهم إياك بهمك ، وانصرافهم عما بك إلى لهوهم ، واختداع آخر بزخرف غرورهم حتى يحل محلك ، فإنهم أبناء الدنيا الغرارة ، وقد عاشروا النكث قديما ، فإذا تمكن يأسك « 8 » منهم ومن وفائهم فكن أنت على ما كنت تحبه منهم تصر حصنا يلجأ إليه ، وركنا يعتمد عليه ، ومفزعا عند النوائب ، وفخرا للأعقاب . وإياك والاستنان « 9 » بشئ من الأعمال وقبيح « 10 » من الأفعال وإن كثر ذلك من الناس ، فان السيّد الذي يستحق هذا الاسم إنما يستحقه بصبره على الجميل واحتماله فرائض المروءة وصيانة نفسه عن دنىء الأخلاق . ومن عرف نفسه بالكرم لم يستوحش ممن يأتيه عليه ، وله الفوز بالسبق يوم الخصال . إنه ليس في عقل من عقول العوام محتمل ، ولامكان للأدب ، فلا تحمل الناس فوق وسعهم فتثقل نصيحتك عليهم ، فإن « 11 » الطبيب الحاذق إنما يأمر من الدواء بقدر احتمال النحيزة « 12 » .
رأيت صلاح الأخلاق بمعاشرة الكرام وفسادها بمخالطة اللئام ، ورأيت الخلق إنما يستمر ويجرى على ما يساس به . ورب طبع صالح أفسدته [ 40 ب ]
هامش
( 1 ) ف : مما في ذلك لقلة . . .
( 2 ) وسلامتهم : ناقصة في ص .
( 3 ) ص : طالب .
( 4 ) لا : ساقطة من ف .
( 5 ) ص : أو .
( 6 ) ف : وما .
( 7 ) ط : القعات .
( 8 ) ف : بأسك ( بالباء الموحدة ) منهم ومن رقابهم .
( 9 ) الاستنان : الاقتداء .
( 10 ) من : ناقصة في ص ، ط .
( 11 ) ط : وان .
( 12 ) النحيزة : الطبيعة .