أفهمته قدر ما يحتمله « 1 » عقله أسرع إلى تعظيمك . وكان أحوط عليك من نظيرك « 2 » في مذهبك . ولو كنت ذا مال كان أكثر ما أصرفه فيه استعطاف « 3 » الجمهور لأعز بهم وأسلم من مكروهم . ومن عظمك ليعلمك لم يحملك مؤونة في مالك ، وليس يجد العالم في كل وقت مثله . فإن لم يعاشر إلا « 4 » من هو نظير له في كماله لم يعش مغبوطا ، ولم تره إلا مستوحشا ، وذلك ما لا أراه تدبيرا .
ورأيت رجلا يعذله على مخاطبة رجل نال منه ما يكره في محفل وقبوله العذر منه بعد ذلك وتسرعه إلى العفو عنه ، فقال « 5 » : إنما أظهر بنقصانه رجحانى ، وبعداوته إنصافى ، وبنزقه ركانتى « 6 » ، وبعجلته وقارى . وذلك ما لم يكن عند القوم منى . ثم أتاني بعد ذلك يعثر في ذيل الندامة ، ويبذل القصاص من نفسه ، ويسألني كما يسأل العبد مولاه - الصفح « 7 » عن جرمه ، فربحت قولا حسنا يبقى لي ذكره عند من شهد ما كان منه ولبس لي « 8 » ذلا بخضوعه ، واستكانة « 9 » باقراره ، وأوجب لي طولا عليه بالعفو عنه ، وشكرا ما بقيت .
فلو لا مخافة العجز عن احتمال الأذى سألت اللّه « 10 » تعالى في كل صباح مثل ما اتفق لي منه .
ورأيت بعض الحكماء كثير المعاشرة بالمصافحة ، قليل الثقة بالأنس - فقلت له في ذلك فقال : كنت امرءا أوجب لمن صافيته أكثر مما كنت أجد عنده فتطول معاتبتى في ذلك فلا أجد ما أقنع به . فلما طال تصفحى للدهر وأهله ، ودامت « 11 » عشرتي للناس ، علمت « 12 » أنى لا أجد كفءا على مثل ما أنا عليه [ 40 ا ] في الأخلاق « 13 » ، فرأيت ألا أتعب نفسي لمن هو في عزلة
هامش
( 1 ) ف : يحتمل .
( 2 ) من نظيرك : ناقصة في ف
( 3 ) ص : استطعاف .
( 4 ) الا : ساقطة من ف .
( 5 ) ص : قال .
( 6 ) بالراء المهملة : السكون والوقار والرزانة - وبالزاي المعجمة : الفهم أو الظن الصحيح .
( 7 ) ص : والصفح .
( 8 ) ف : ليس .
( 9 ) ص : ولا استكانة .
( 10 ) تعالى : زيادة في ص / ف : اللّه عز وجل .
( 11 ) ط : وطالت .
( 12 ) ف : عملت - وهو تحريف ظاهر .
( 13 ) ص : أخلاق .