ظنه وصدقته عنك فراسته لما استجلاك بنور اللّه الذي أودعه فيك تنظر به إلى مخلوقاته وتحسن به قراءة آياته كما قال الحكيم الصادق ، صلى اللّه عليه وسلم وعلى آله : « المؤمن ينظر بنور اللّه » وقال تعالى : « يسعى نورهم بين أيديهم » .
ونظرناك بهذا النور الموهوب لنا ، المجعول أولا في أبينا إبراهيم حتى رأى به ملكوت السماوات والأرض ، وكان به من الموقنين وصار وراثة تنتقل في ذريته الذين اتبعوه كما قال : « فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم » .
ولما رأيناك بهذه الرؤية الصادقة بعد اجتهادك وحرصك على الوصول إلينا وشدة الطلب لنا ، وخلاصك من دياجي ظلمات زمان الجور ، وغلبة الشياطين ، وكثرة أعوان الظالمين ، وخمول الحق وانقطاع أهله بأنفسهم عن الجمهور والرعاع ، وتوعر طرقه وسبله ، فكنت من بين أهل زمانك كقادح زناد في ليلة ظلماء ذات رياح عاصفة ، وظلمات متراكمة ، وأهوية باردة ، يريد الاستضاءة بنوره في طريق فقد أدلّته واندرست معالمه ، وذهبت دلائله ، ولم يبق منه إلّا مسلك وعر داثر العلامات ، يصعب السلوك فيه والقصد لديه ، إلّا على أصحاب اقتفاء الآثار الخفيّة بمعرفة سبقت عندهم بها ، وعلامات وصفت لهم وخفيت على الذين يريدون إطفاء نور اللّه بذهابها وإزالتها ، لئلا ترفع حجة اللّه من أرضه وتنمحي آثار حكمته .
فلما أوردت لك الزناد بنوره ودلّك الدليل بظهوره ، حتى وصلت إلى بقعة من بقاع الجنة وروضة من رياض الأرض التي بها تبدّل الأرض غير الأرض يوم العرض ، فيها : « رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة » « تراهم ركّعا سجّدا يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا » الآية . وهم على شاطئ البحر المحيط من وراء جبل قاف عند مجرّ خط الاستواء ، وهي بقعة يجمع طرفاها ما بين شعاع الشمس عند طلوعها وغروبها ، يرى منها المنازل الثماني والعشرون المهيأة لمسير القمر وهي
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 252
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٥٢