فهذه كلها لذات تجدها النفس بتوسط الجسد مرتين : إحداهما عند مباشرة الحواس لها ، والأخرى عند ذكرها بعدها . مثال ذلك إذا رأى المرء وجها حسنا أو زينة من محاسن الدنيا ، فإن النفس تجد عند رؤيتها لها سرورا ولذّة .
ثم إذا غابت عن رؤية العين ، بقيت رسوم تلك المحاسن مصوّرة في فكر النفس ، وكلما لمحت هي ذاتها ونظرت إلى جوهرها ، رأت تلك الرسوم المصوّرة في فكرها ، فسرّت بها والتذّت ، وتذكرت تلك المحسوسات التي انطبعت فيها منها هذه الرسوم . وهكذا سائر المحسوسات حكمها إذا تذكرتها النفس التذّت وسرّت بها من غير شركة الجسد . وهكذا حكم أضدادها التي هي الآلام ، وذلك أن الإنسان إذا رأى منظرا وحشيّا أو صورة قبيحة ، أو سمع صوتا هائلا مفزعا ، فإنه يؤلمه رؤيته لها في وقته ، واستماعها ، وبعد مغيبها ، إذا تذكرها وفكّر فيها وليس التذكّر والتفكّر شيئا سوى لمحات النفس ذاتها ونظرها إلى جوهرها ورؤيتها رسوم تلك المحسوسات مطبوعة في ذاتها ، كما ينطبع نقش الفصّ في الشمع المختوم . فهذه الملاذ والآلام ، وإن كانت لا تصل إلى النفس إلّا بتوسط الجسد ، فقد تجدها بعد غيبة المحسوسات عن مباشرة الحواسّ لها ، فيدل هذا على أن النفس لها لذّة تجدها بعد مفارقة الجسد أيضا ، كما تجد لذّة المحسوسات بعد مفارقتها وغيبتها .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 70
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٧٠