فلأجل هذا يتمنى أولياؤه الموت ، كما عاتب من ظن أنه منهم بغير حق :
« قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . »
فدل بهذه الآيات علامة أولياء اللّه تعالى أنهم يتمنون الموت إذا علموا أنهم إلى ربهم راجعون بعد الموت ؛ فإذا الموت حكمة ونعمة .
فصل في حكمة الموت أيضا
واعلم يا أخي أن النفوس كالصّنّاع ، والأجساد كالدكاكين ، وأعضاء الجسد كالأدوات ، كما بينّا في رسالة تركيب الجسد . ثم اعلم أن الصّنّاع يجتهدون في الصنائع ، ويحملون مشقّة العمل لكسب المال وطلب الغناء ، فإذا استغنى واحد منهم ترك الدكان والأدوات واستراح من العمل ، فهكذا حكم النفوس إذا هي أحكمت ما يراد منها بكونها مع الجسد من الزاد للآخرة ، استغنت عن الجسد ، فاستقلت بذاتها . فلو لم يؤخذ منها الجسد ، لكان وبالا عليها ومانعا لها من الصعود إلى ملكوت السماء ، والدخول في زمرة الملائكة ، والسيحان في عالم الأفلاك ، والسّريان في فسحة فضاء السماوات ، والتنسم من الرّوح والريحان ؛ فإذا الموت حكمة ونعمة من اللّه تعالى لعباده الصالحين .
وقال يوسف الصدّيق :
« رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ . »
أما ترى أنه ، عليه السلام ، تمنى الموت بقوله :
« تَوَفَّنِي مُسْلِماً »
لما علم أن اللحاق بالصالحين لا يكون إلّا بعد الموت ؟ فإذا الموت حكمة ونعمة .
وقال خليل الرحمن ، عليه السلام : « والذي خلقني فهو يهدين والذي يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر