فصل في حكمة الموت
اعلم أن الدنيا كالميدان ، والأجساد خيل عتاق ، والنفوس السابقة إلى الخيرات فرسان ، واللّه تعالى الملك الجواد المجازي . وكما أن الفارس السابق إذا بلغ باب الملك إن لم ينزل عن فرسه ، لا يمكنه الدخول إلى حضرة الملك فتفوته جائزته والخلع والكرامة ، فهكذا حكم نفوس السابقين في الخيرات والأعمال الصالحة إذا قطعوا أيام الحياة الدنيا سبقا إلى الخيرات كما مدحهم اللّه تعالى :
« إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ »
.
فإذا فني العمر وهدم الجسد وشاخ ، ونبت النفس وكملت ، إن لم تفارقه ، لا يمكنه الصعود إلى ملكوت السماء ، لأن هذا الجسد الثقيل المتغيّر الفاسد لا يليق بذلك المكان العالي الشريف ، بل النفس هي التي يمكنها الصعود إلى هناك لتجازى بما عملت من خير ، فإذا الموت حكمة ورحمة .
وأيضا إن الدنيا مزرعة ، وأرحام النساء كالحرث كما قال اللّه تعالى :
« نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ . »
والنّطفة كالبذر ، والولادة كالنبت ، وأيام الشباب كالنشوء ، وأيام الكهولة كالنّضج ، وأيام الشيخوخة كاليبس والجفاف . فبعد هذه الحالات لا بد من الحصاد والصّرام ، وهو الموت والصّراط والآخرة ، كالبيدر ، فكما أن البيدر يجمع الغلّات من كل جنس ويدرس وينقّي ويرمي القشور والورق والتبن والحب والثمر ، ويجعل علفا للدواب وحطبا للنيران .
فهكذا تجتمع في الآخرة أمم الأولين والآخرين من كل دين ، وتنكشف الأسرار ، ويميز اللّه الخبيث من الطيّب ، فيجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ، فيجعله في جهنم ، وينجّي اللّه الذين اتقوا بمفازتهم ، لا يمسّهم السوء ولا هم يحزنون .
وهذا كله بعد الموت هو حكمة ورحمة ونعمة من اللّه تعالى لأوليائه ،