تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
المشتري ، لتقابل بينهما ، وتربيعهما ، وتقابل فلكهما ، فصار هذا المولود من بين إخوته أتمّهم جثّة ، وأكملهم صورة . وكان أديبا ، عالما حكيما ، ملكا عزيزا ، إماما عادلا ، نبيّا مرسلا ، فولاه أبوه مملكته ومملكة إخوته كلّها ، فظهر وقهر من خالفه ، ورفع وأعزّ من وافقه ، وتحكم في مملكته نحوا من ثلاثين يوما من أيام الشمس . ثم أعجبته نفسه ، فأصابته العين ، فاعتلّ وبقي على الفراش نحو ألف يوم من أيام القمر ، مرفّه الجسم ، عليل النفس ، ثم تحول إلى دار أخرى ، ونهض قليلا ، ومشى وقوي ، ونشط انبسط ، وشرب من حبّ الدّنيا وغرورها وأمانيها ، فسكر من خمر شهواتها ، ودخل إلى كهف أبيه ، ونام مع إخوته ، فمكثوا زمانا طويلا . فلما انقضى دور الرّقاد وتقارب الميعاد ، ناداهم أبوهم : ألم يأن لكم أن تنتبهوا من نومكم ، وتستيقظوا من غفلتكم ، وتذكروا ما نسيتم من أمر مبدئكم ، وترجعوا إلى معادكم من أسفاركم ، إذ لكل ابتداء انتهاء ، ولكل حياة فناء ، ولكل موت ونائم انتباه . وبادروا إلى معادكم من غربتكم ، فقد تمّ خلق السماوات السبع في ستة أيام ، وغدا يوم الجمعة يستوي ربكم على العرش ، يحمله يومئذ ثمانية ! فانتبهت لذلك الإخوة ، الذين قبل لهم إنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، بعد رقدتهم ثلاثمائة سنة وأربعة وخمسين يوما ، من أيام الشمس بحساب القمر ، يتذاكرون كم لبثوا في كهفهم ! فقال أبوهم لأخيهم :
« فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً »
. فأخفوا وكتموا أسرارهم لأنه :
« ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ ، وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ ، إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ، ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ »
. فافهم ، يا أخي ، هذه الإشارات والتنبيهات ، وقس على ذلك نظائرها ، ولا تفش الأسرار لعلك تنتبه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، قبل أن ينفخ