ولتعلم علما يقينا أنك منتقل من هاهنا إلى حالة أخرى بعد الموت ، وتنشأ نشأة أخرى ، فكن مستعدّا للرحلة ، وتزوّد للسفر قبل فناء العمر وتقارب الأجل ، وهو أن تتخلّق بأخلاق الملائكة ، وتتزيّن بشمائلها ، وتترك أخلاق إخوان الشياطين وجنود إبليس أجمعين . وقد بيّنّا كيفيّة ذلك في رسائلنا الإحدى والخمسين رسالة فاعرف من هناك إن شاء اللّه .
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن المصنوع المحكم يدلّ على الصانع الحكيم ، وإن كان الصانع الحكيم محتجبا عن إدراك الأبصار . وكلّ عاقل ، إذا تأمل أحوال النبات من فنون أشكال أصولها ، وامتداد عروقها في الأرض ، وتفرّع أغصانها في الهواء ، وتقطيع أوراقها في فنون الأشكال ، وألوان أزهارها من الأصباغ ، واختلاف صور حبوبها وأشكال أثمارها من الصّغر والكبر ، واختلاف ألوانها وطعومها وروائحها ، يتبيّن له ويعلم علما ضروريّا بأن لها صانعا حكيما ، لأن عقله يشهد له بأن الأركان الأربعة المتضادّة القوى المتنافرة الطباع لا تجمع ولا تأتلف ولا تصير على هذه الأوصاف التي تقدّم ذكرها إلّا بقصد صانع حكيم لا يشكّ فيه ، لكن إذا لم يتفكّر في كيفيّة صنعته ، لم فعل هكذا ، ولم يفعل كذا وكذا ؟ لا يفهم ولا يدري ولا يتصوّر له ذلك ، فمن أجل هذا احتجنا إلى أن نذكر من هذا الفن طرفا ليزداد علما كلّ من يسمعه ويتفكّر فيه .
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأن النبات مصنوعات ظاهرة جليّة لا تخفى ، ولكنّ صانعها وعلّتها باطنة خفيّة محتجبة عن إدراك الأبصار لها ، وهي التي يسمّيها الفلاسفة القوى الطبيعية ، ويسمّيها الناموس الملائكة وجنود اللّه الموكّلين بتربية النبات وتوليد الحيوانات وتكوين المعادن ، ونحن نسمّيها النفوس الجزئيّة . والعبارات مختلفة والمعنى واحد ، وإنما نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطبيعية ، وصاحب الشّرع إلى الملائكة ، ولم ينسبها إلى اللّه تعالى ، لأنه يجلّ الباري ، جلّ ثناؤه ، عن
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 152
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٥٢