واعلم يا أخي بأن هذه هي أمّهات أخلاق الكرام من أولياء اللّه الذين أشار إليهم بقوله :
« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً
« 1 »
»
إلى آخر الآية ، وقوله :
« رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً »
وهي أخلاق الملائكة الذين أشار إليهم بقوله جلّ ثناؤه :
« الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ، وَمَنْ حَوْلَهُ »
الآية .
انظر الآن يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، إلى ما ذكرناه من أخلاق الكرام ، وتفكّر فيها إن كنت تريد أن تكون من أولياء اللّه وأهل جنّته ، ومن حزب ملائكته الكرام البررة ؛ فاقتد بهم وتخلّق بأخلاقهم باجتهاد منك ورويّة ، وعناية شديدة ، وكثرة استعمال لها ، وطول دربة بها ، لتصير لك عادة وطبيعة وجبلة مركوزة ، وتبقى في نفسك مصوّرة عند المفارقة ، ودع اخلاق إخوان الشياطين وجنود إبليس أجمعين ، واعلم علما يقينا بأن ليس يصحب الإنسان بعد الموت عند مفارقة النفس الجسد ، ويبقى معه من كل ما يملك في الدّنيا من المال والأهل والمتاع ، إلّا ما كسبت يداه من هذه الأخلاق والأعمال المشاكلة لها ، والعلوم والمعارف والآراء التي اعتقدها وأضمرها كما قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : انما هي أعمالكم تردّ إليكم . وقال اللّه ، جلّ ثناؤه :
« وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً »
.
واعلم يا أخي بأن أخلاق بني الدّنيا وسجاياهم انما جعلت طبيعة مركوزة في الجبلة ، لأنهم وردوا إلى الدّنيا جاهلين غير مستعدين لها ، فأزيحت عللهم في ذلك . فأما أبناء الآخرة فصارت أخلاقهم مكتسبة معتادة ، لأنهم أزيحت عللهم قبل ورودهم إلى الآخرة ، بما أعملوا بها وأخبروا عنها وبشّروا بها وأنذروا منها وجدّوا في طلبها ، وأوضح لهم طريقا وأزيحت عللهم فيما يحتاجون اليه من البيان والاستطاعة والقدرة والهداية والأمر والنهي والوعد والوعيد والترغيب والترهيب وما شاكل ذلك مما هو بيّن واضح في أحكام
هامش
( 1 ) هونا : اي بسكينة وتواضع .