فيها وكثرة الاستعمال لها ، وعليها يجازون ويثابون ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله :
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى »
.
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، بأنك إذا أنعمت النظر بعقلك ، وفكرت برويّتك ، وتأمّلت أوامر الناموس ونواهيه وأحكامه وحدوده وترغيبه وترهيبه ووعده ووعيده وزجره وتهديده ، عرفت وتبيّنت أن أكثر أوامره هي بخلاف ما في طباع الناس ، ونواهيه عما هو في الجبلة مركوز من تركّب الشهوات ، أو طلب الرّاحة والنعيم والتّلذّذ ، وما هو مركوز في الجبلة ؛ وذلك أنه أمر بالصيام وترك الأكل والشّرب عند شدّة الجوع والعطش ، وبالطهارة عند البرد ، وبالقيام في الصلاة وترك النوم على الفراش الوطيء ، وبالمواساة عند القلّة وشدّة الحاجة ، وبالتعفّف عند هيجان الشهوة ، وبالحلم عند سورة الغضب ، وبالشجاعة عند المخاوف ، وبالعفو عند المقدرة ، وبالعدل عند الحكومة « 1 » ، وبالصبر عند الشدائد ، وبالرضى عند مرّ المقادير ، وبحسن العزاء عند المصائب ، وبالاجتهاد والتشمير عند الكسل ، وبصدق القول عند شدّة الخوف منه ، وبالسخاء عند شدّة الفقر ، وبوفاء العهد عند المغيب ، وبالزّهد في الدّنيا عند التمكّن منها ، وما شاكل هذه الأفعال والأعمال والأخلاق والسجايا التي في الجبلة خلافها ، وفي الطباع مركوز غيرها ، ويروى في الخبر انه سئل رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وآله ، عن معنى قول اللّه عزّ وجلّ :
« خُذِ الْعَفْوَ ، وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ »
، فقال :
جمع في هذه الآية مكارم الأخلاق ، وهي سبعة : عفوك عمن ظلمك ، وإعطاؤك من حرمك ، وصلتك لمن قطعك ، واحسانك إلى من أساء إليك ، ونصيحتك لمن غشّك ، واستغفارك لمن اغتابك ، وحلمك عمّن أغضبك .
هامش
( 1 ) الحكومة : القضاء .