فرّقت حالي جدا ، حتى بعت ما في البيت عن آخره ، على قلّته .
فأصبحت يوما ، فقال لي غلامي : أيّ شيء نعمل اليوم ؟ ما معنا حاجة .
فقلت : خذ مبطّنتي بعها ، واشتر لنا ما نحتاج إليه .
فخرج الغلام ، وبقيت في الدار وحدي ، أفكّر فيما دفعت إليه من الغربة والوحدة ، والعطلة ، والضيقة ، والشدّة ، وتعذّر المعيشة والتصرّف ، وكيف أصنع ، وممن أقترض ، فكاد عقلي أن يزول .
فبنا أنا كذلك ، وإذا بجرذ قد خرج من كوّة « 1 » في البيت ، وفي فمه دينار ، فوضعه ثم عاد ، فما زال كذلك ، حتى أخرج ثمانين دينارا ، فصفّها ، ثم جعل يتقلّب عليها ، ويتمرّغ ، ويلعب .
ثم أخذ دينارا ودخل إلى الكوّة ، فخشيت إن تركته أن يردّها جميعها إلى الموضع الذي أخرجها منه ، فقمت ، وأخذت الدنانير ، وشددتها .
وجاء الغلام ، [ ومعه ما قد ابتاعه ، فتغدّينا ، وقلت له : خذ هذا الدينار ، فابتع لنا فأسا .
فقال : ما نصنع به ؟ ] « 2 »
فحدّثته الحديث ، وأريته الدنانير ، وقلت له : قد عزمت على أن أقلع الكوّة .
ففعل ما أمرته به ، وأفضى بنا الحفر إلى برنيّة « 3 » فيها سبعة آلاف دينار .
فأخذتها وأصلحت الموضع كما كان ، وخرجت إلى بغداد ، بعد أن أخذت بالمال سفاتج ، وتركت بعضه معي .
هامش
( 1 ) الكوّة ، بفتح الكاف وبضمّها : الخرق في الحائط ، تجمع على : كواء ، وكوى ، وكوّات .
( 2 ) ساقطة من غ .
( 3 ) البرنيّة : وعاء من الفخّار ، يسميّه البغداديّون الآن : بستوقة ، فارسيّة ، بستو ، أي قطرميز فخّاري ( المعجم الذهبي ، والألفاظ الفارسية المعربة 22 ) .