فضحكت - واللّه - المرأة ، حتى كادت تقهقه ، وبدا لها ثغر ، ما رأيت أحسن منه قط .
وقالت : أي بنت عمّ ، أيّ شيء أعجبك من حسن صنع اللّه بي على ذلك الفعل ، حتى أردت أن تتأسّي « 10 » بي ، [ واللّه ، لقد فعلت بنساء أهل بيتك ، ما فعلت ، فأسلمني اللّه إليك جائعة ، ذليلة ، عريانة ، فكان هذا مقدار شكرك للّه تعالى على ما أولاك فيّ ، ثم قالت : ] « 11 » السلام عليكم .
ثم ولّت خارجة تمشي خلاف المشية التي دخلت بها .
فقلت للخيزران : إنّها مخبأة من اللّه عزّ وجلّ ، وهدية منه إلينا ، وو اللّه - يا خيزران - لا يتولّى إخراجها مما هي فيه أحد غيري .
ثم نهضت على أثرها ، فلمّا أحسّت بي أسرعت ، وأسرعت خلفها ، حتى وافيتها عند الستر ، ولحقتني الخيزران ، فتعلّقت بها .
وقلت : يا أخت ، المعذرة إلى اللّه - عزّ وجلّ - وإليك ، فإنّي ذكرت ، بمكانك ، ما نالنا من المصيبة بصاحبنا ، فكان منّي ما وددت أنّي غفلت عنه ، ولم أملك نفسي .
وأردت معانقتها ، فوضعت يدها في صدري ، وقالت : لا تفعلي ، يا أخت ، فإنّي على حال ، أصونك من الدنوّ منها .
فرددناها ، وقلت للجواري : أدخلن معها الحمّام .
وقلت للمواشط : اذهبن معها ، حتى تصلحن حفافها « 12 » ، وما تحتاج إلى
هامش
( 10 ) التأسّي : الاقتداء .
( 11 ) الزيادة من المستجاد للتنوخي ص 22 .
( 12 ) الحفاف : الطرّة من الشعر ، أو ما سقط منه ، والحفّ : في اللّغة : القشر ، وفي الاصطلاح :
إزالة الشعر ، والكلمة ما زالت مستعملة ببغداد بهذا المعنى ، والبغداديّات كنّ يحففن وجوههنّ وأبدانهن ويستعملن في ذلك خيوطا من القطن وطحين الاسفيداج ، ويسمّونه ( سبداج ) ، وكان ذلك قبل أن تغمر أسواق العراق ، أسباب التزيّن الإفرنجية من مساحيق ودهون ، راجع حاشية القصّة 361 من هذا الكتاب .