فلمّا توسّطته ، إذا أنا بفارس من الجند الذين كانوا في داري في أيّام وزارتي « 6 » ، قد قرب منّي ، فعرفني ، وقال : طلبة أمير المؤمنين ، وعدل إليّ ليقبض عليّ .
فلحلاوة النفس دفعته ودابّته ، فزلق ، ووقع في بعض السفن التي في الجسر ، وتعادى الناس لخلاصه ، وظنّوا أنّه زلق بنفسه .
وتشاغل عنّي بهم ، وزدت أنا في المشي ، ولم أعد لئلّا ينكر حالي من يراني ، إلى أن عبرت الجسر ودخلت درب سليمان « 7 » .
فوجدت امرأة على باب دار مفتوح ، فقلت لها : يا امرأة ، أنا خائف من القتل ، فأجيريني واحقني دمي .
فقالت : ادخل ، وأومأت إلى غرفة ، فصعدتها .
فلمّا كان بعد ساعة ، إذا بالباب يدقّ ، ففتحته ، وإذا زوجها قد دخل ، فتأمّلته ، فإذا هو صاحبي على الجسر ، وهو مشدود الرأس يتأوّه من شجّة [ 75 ن ] لحقته ، وثيابه مغموسة بالدم .
وسألته المرأة عن خبره ، فأخبرها بالقصّة ، وقال لها : قد زمنت دابّتي وأنفذتها لتباع في سوق اللحم ، وقد فاتني الغنى ، وجعل يشتمني ، وهو لا يعلم بوجودي معه في الدار ، وأقبلت المرأة تترفّق به إلى أن هدأ .
فلمّا صلّيت المغرب ، وأقبل الظلام ، صعدت المرأة إليّ ، وقالت : أظنّك صاحب القصّة مع هذا الرجل .
فقلت : نعم .
هامش
( 6 ) وزّر الفضل بن الربيع للرشيد على أثر قتل الوزير جعفر البرمكي في السنة 187 واستمرّ وزيرا بقيّة عهد الرشيد ، ولمّا استخلف الأمين أقرّة على وزارته ، ولمّا اتّضح ظفر المأمون استتر الفضل في السنة 196 ( الأعلام 5 / 353 ) .
( 7 ) درب سليمان : ينسب إلى سليمان بن أبي جعفر المنصور ، وكان امتدادا للجسر ، أي أنّ الذي يعبر جسر باب الطاق ، ينصب رأسا إلى درب سليمان ، راجع معجم البلدان 2 / 563 .