أمره ويؤخّر ، ويحيى لا يألو أن يحطب عليه ، إلى أن دخل يوما على الرشيد ، وجرى بينهما حديث ، فمتّ جعفر بخدمته وخدمة أبيه ، فأمر له بعشرين ألف دينار ، فأمسك يحيى أيّاما ، ثم قال للرشيد : قد كنت أخبرك عن جعفر ومذهبه ، فأكذّب عنه ، وها هنا أمر فيه الفصل ، إنّه لا يصير إليه مال إلّا أخرج خمسه فوجّه به إلى موسى بن جعفر ، ولست أشكّ أنّه فعل ذلك في العشرين ألف دينار التي أمرت له بها .
فأرسل الرشيد إلى جعفر ليلا يستدعيه ، وقد كان جعفر عرف سعاية يحيى عليه ، مساسا « 5 » للعداوة ، فلمّا طرق جعفرا رسول الرشيد لم يشكّ أنّه سمع من يحيى فيه ، فأفاض عليه ماء ، ودعا بمسك وكافور ، وتحنّط بهما ، « 6 » ولبس بردة « 7 » ، وأقبل إلى الرشيد ، فلمّا دنا منه ليخاطبه ، شمّ منه رائحة الكافور ، ورأى البردة ، فقال : ما هذا يا جعفر ؟
قال : يا أمير المؤمنين ، قد علمت أنّه يسعى عليّ عندك ، فلمّا جاءني رسولك في هذه الساعة ، علمت أنّك أرسلت إليّ لتقتلني .
قال : كلّا ، ولكن أخبرت أنّك تبعث إلى موسى بن جعفر من كلّ ما يصير إليك بخمسه « 8 » ، وأنّك قد فعلت ذلك في العشرين ألف دينار ، وأحببت أن أعلم ذلك .
هامش
( 5 ) كذا في الأصل .
( 6 ) الحنوط : أخلاط ذات رائحة طيّبة ، أحد أجزائها الكافور ، يطلى بها بدن الميت ، وقد يطلى بها من استعدّ للقاء الموت .
( 7 ) البردة : كساء من الصوف ، وقد أصبح تقليدا أن تدخل البردة في جملة ما يكفّن به الميت عند المسلمين .
وذكر دوزي في معجم الألبسة 60 : أنّ أعرابيّا طلب من النبي صلوات اللّه عليه بردة كانت عليه ، قال إنّه يريدها كفنا له ، واليمن مشهورة ببردها ( لطائف المعارف 166 ) وما يزال الحجّاج يعودون من حجّهم ومعهم بردة يمانيّة يشترونها من مكّة ويغسلونها بماء بئر زمزم ، ويعدّونها ليكفنون بها عند موتهم .
( 8 ) تسليم الخمس للإمام ، يجري تطبيقا لأحكام الآية : واعلموا أنّ ما غنمتم من شيء فإنّ للّه خمسه