فلمّا مشيت ، استقبلني رجّالة المحتسب « 6 » ، فقبضوا على كمّي ، وقالوا :
قد أمرنا المحتسب بختم كلّ كيس نجده ، حتّى يفتح بحضرته ، ويخرج ما فيه ، وتؤخذ منه الزائفة « 7 » .
فرفقت بهم ، وبذلت لهم دراهم كثيرة ، فلم يجيبوا ، ومشوا بي معهم ، وأمسكوني يريدون المحتسب .
فنظرت ، فإذا أنا هالك ، وفكّرت في الحيلة والخلاص ، فلم تتّجه ، حتّى رأيت دربا « 8 » ضيّقا لطيف الباب « 9 » ، كأنّه باب دار ، وأنا أعرفه منفذا « 7 » .
فقلت لهم : أنتم تريدون ختم كيسي ، فما معنى تشبّثكم بيدي وكمّي كأنّني لصّ ؟ أنا معكم إلى المحتسب ، فخلّوا عن يدي ، ففعلوا ، وأطافوا بي .
فلمّا صرت على باب الدرب ، سعيت ، فدخلته ، وأغلقت بابه ، واستوثقت منه ، وسعيت إلى آخره ، فإذا بئر كنيف قد فتحت لتنقّى ، وتركت مفتوحة ، فألقيت الفوطة بما فيها في البئر ، وخرجت أسعى من طرف الدرب الآخر ، حتّى بلغت منزلي ، وحمدت اللّه تعالى على الخلاص من الهلكة .
وتبت عن النّبيذ « 10 » .
هامش
( 6 ) المحتسب : مأمور من الحاكم ، لملاحظة سير الأمور في البلد ، ومنها فحص النقود المتداولة لنفي الزائف منها ، وملاحظة صحّة العيار ، وضبط الميزان ، وأسعار البيع .
( 7 ) الزائف من الدراهم : الرديء ، المردود لغشّ فيه .
( 8 ) الدرب : الطريق ، فإن كان مفتوحا من طرفيه ، فهو نافذ أو منفذ ، أي صالح لاجتيازه والعبور منه إلى غيره ، والبغداديّون يسمّون الدرب الضيّق : دربونه ، مصغّر درب بإضافة الألف والنون ، كما يصغرون بس ، وهي الهرّة ، فيقولون : بسّون ، ويلفظونها : بزّون ، بالزاي المشددة ، وكما يصغرون حسن ، فيقولون : حسّون ، وكما يصغرون : صغير ، فيقولون : صغيرون ، ويلفظونها : زغيرون ، بالزاي .
( 9 ) كانت جميع الدروب في بغداد ، على أفواهها أبواب تغلق في الليل ، كما كانت أفواه الجسور كذلك تسدّ ، ويمنع من المرور عليها إلّا بأذن من صاحب الجسر ، وقد أدركت في صباي دروبا كانت أبوابها مركّبة عليها ، وأبصرت دروبا قد قلعت أبوابها ولكن إطارات تلك الأبواب بقيت زمنا حتى زالت .
( 10 ) لم ترد هذه القصّة في م ولا في غ ولا ه .