فطرحت نفسي في الحرّ مغموما ، جائعا [ 129 ر ] ، على عتبة المجلس ، ونمت .
فما انتبهت إلّا بخادم قد أيقظني ، وقال : أجب أمير المؤمنين ، فنظرت الوقت ، فإذا هو نصف اللّيل .
فقلت : إنّا للّه ، عزم واللّه على قتلي ، فمشيت معه ، وأنا أتشاهد ، إلى ممرّات سمعت منها كلام النساء .
فقلت : عزم على قتلي بحجّة ، يقول : من أذن لك في الدخول إلى حرمي ، ويعتلّ عليّ بذلك ، فوقفت .
فقال لي الخادم : ادخل .
فقلت : لا أدخل .
فقال لي : ادخل ، ويحك .
فقلت : هو ذا أسمع صوت الحرم ، ولا يجوز لي أن أدخل .
فجذبني ، فصحت : واللّه ، لا دخلت ، ولو ضربت عنقي ، أو أسمع كلام أمير المؤمنين ، بالإذن لي .
وإذا امرأة تصيح : ويلك يا هرثمة ، أنا الخيزران « 4 » ، وقد حدث أمر عظيم ، استدعيتك له ، فادخل .
فتحيّرت ، ودخلت ، وإذا ستارة ممدودة ، فقيل لي من ورائها : إنّ موسى قد مات ، وأراحك اللّه منه ، وجميع المسلمين ، فانظر إليه ، فأتيته ، فإذا هو
هامش
( 4 ) الخيزران : زوجة المهدي العبّاسي ، وأمّ ولديه الهادي والرشيد ، ملكة ، حازمة ، عاقلة ، أديبة ، شاعرة ، كانت ذات كلمة مسموعة في عهد زوجها المهدي ، فلما ولي ابنها الهادي ، حرّم عليها أن تتدخّل في أمور الدّولة ، ومنع الناس من الوقوف ببابها ، فانكمشت ، ولمّا ولي الرشيد ، عادت إلى ممارسة حريتها في التدخّل في شؤون المملكة ، وكان الرشيد لا يخالف لها رأيا ، وكانت حامية البرامكة ، ولما ماتت في السنة 173 أخذ الرشيد بقائمة سريرها حافيا يعدو في الطين ، وعليه جبّة سعيدية ، وطيلسانه خرق أزرق ، حتى إذا خرج من قبرها ، دعا الفضل بن الربيع ، وحلف له ، أنّه كان يهمّ بأن يولّيه ، فتمنعه أمّه ، فيطيع أمرها ، ثم أمر الفضل بأن يأخذ الخاتم من جعفر ( الطبري 8 / 238 ) .