ودار الدور ، فلمّا انتهى إليّ الغناء ، قلت للجارية الأخرى ، سوّي العود على كذا ، فعلمت ما أريد ، وخرج الخادم فقال لي تغنّ ، فغنّيت هذا الصوت ، وهو لا يعرف إلّا بي ، وهو : [ 153 ظ ]
عوجي عليّ فسلّمي جبر * فيم الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلّا ثلاث منى « 45 » * حتّى يفرّق بيننا النّفر « 46 »
فتزلزلت عليهم الدار ، وخرج الخادم ، فقال : ويحك ، لمن هذا الغناء ؟
فقلت : لي .
فمضى ، ثمّ عاد ، فقال : كذبت ، هذا لابن جامع .
قلت : فأنا ابن جامع .
فما شعرت إلّا وأمير المؤمنين ، وجعفر بن يحيى ، قد أقبلا من وراء الستر الّذي كان يخرج منه الخادم « 47 » .
فقال لي الفضل بن الرّبيع : هذا أمير المؤمنين ، قد أقبل إليك ، فلمّا صعد السرير ، وثبت قائما .
فقال : ابن جامع ؟
فقلت : ابن جامع ، جعلت فداك ، يا أمير المؤمنين .
فقال : متى كنت في هذه المدينة ؟
فقلت : دخلتها في الوقت الّذي علم بي فيه أمير المؤمنين .
هامش
( 45 ) ثلاث منى : أيّام عيد الأضحى الثلاثة التي يقضيها الحاج في منى .
( 46 ) يوم النفر : اليوم الذي ينفر فيه الحجّاج من منى منصرفين إلى مكّة ، وهو اليوم الثالث من عيد النحر ، ويصادف 13 ذي الحجّة .
( 47 ) كان جعفر يدخل في منادمة الرشيد . وكان أبوه ينهاه عن منادمته . ويأمره بترك الأنس به ، فترك أمر أبيه ويدخل معه فيما يدعوه إليه ، أما الفضل أخوه . فكان يمتنع عن منادمة الرّشيد والشرب معه ، وكان يقول : لو علمت أنّ الماء ينقص من مروءتي ما شربته ( الطبري 8 / 293 ) .