وأنا أجد عدّة مواضع ، وليس لي كبير حاشية ، ومن نكبة خرجت ، فأقم بمكانك .
وخرج ، وصرف التوكيل « 14 » عنّي ، وعن الدّار ، وأخذ كتّابي وأسبابي إليه .
فلمّا انصرف ، قلت لغلماني : هذا الّذي نراه في النوم ، انظروا من وكّل بنا ؟
فقالوا : ما وكّل بنا أحد .
فعجبت من ذلك عجبا شديدا ، وما صلّيت العصر حتّى عاد إليّ جميع من حمله معه من المتصرّفين والكتّاب والجهابذة ، وقالوا : أخذ خطوطنا برفع الحساب ، وأمرنا بالملازمة ، وأطلقنا ، فازداد عجبي .
فلمّا كان من الغد ، باكرني مسلّما ، ورحت إليه في عشيّة ذلك اليوم [ 109 غ ] مسلّما عليه .
فأقمت على ذلك ثلاثين يوما ، يغدو إليّ ، وأروح إليه ، وربما غدوت أنا ، وراح هو « 15 » ، وهداياه وألطافه تأتيني في كلّ يوم من الفاكهة ، والثلج ، والحيوان ، والحلوى .
فلمّا كان بعد ثلاثين يوما ، جاءني ، فقال لي : قد عشقت مصر يا أبا أيّوب ، واللّه ما هي طيّبة الهواء . ولا عذبة الماء ، وإنّما تطيب بالولاية والاكتساب ، ولو دخلت إلى سرّ من رأى ، لما أقمت إلّا شهرا حتّى تتقلّد أجلّ الأعمال .
فقلت له : واللّه ، ما أقمت إلّا توقّعا لأمرك في الخروج .
فقال : أعطني خطّ كاتبك ، بأنّ عليه القيام بالحساب ، واخرج في حفظ اللّه ، فأحضرت كاتبي ، وأخذ خطّه كما أراد ، وتسلّمه ، وقال : اخرج في أيّ وقت شئت .
هامش
( 14 ) التوكيل : مصطلح عبّاسيّ ، يراد به حجز الحريّة ، فيقال : وكّل به ، إذا نصب عليه حارسا يحول بينه وبين الفرار .
( 15 ) في غ : وأقمت ثلاثين يوما إن سبقني إلى المجيء ، وإلّا رحت إليه ، وإن راح ، وإلّا باكرته .