كأنّه حشو فراش ، وتغطّى بقطن كان في لحاف ، فهو بين ذلك القطن كأنّه السفرجل « 2 » .
فقلت له : ويحك ، بلغت إلى هذا الحدّ .
فقال : هو ما ترى .
فقلت : فهل لك حاجة .
قال : أو تقضيها ؟
فظننت أنّه يطلب منّي شيئا أسعفه به ، فقلت : إي واللّه .
فقال : أشتهي أن تحملني إلى بيت فلانة المغنّية ، حتّى أراها ، وهي الّتي كان يتعشّقها ، وأتلف ماله عليها .
وبكى ، فرحمته ، فمضيت إلى منزلي ، فأتيته من ثيابي بما لبسه ، وأدخلته الحمّام ، وحملته إلى بيتي ، فأطعمته ، وبخّرته ، وذهبنا إلى دار المغنّية .
فلمّا رأتنا ، لم تشكّ أنّ حاله قد صلحت ، وأنّه قد جاءها بدراهم ، فبشّت في وجهه ، وسألته عن حاله ، فصدقها عن حاله ، حتّى انتهى إلى ذكر الثياب ، وأنّها لي .
فقالت له في الحال : قم ، قم .
فقال : لم ؟
فقالت : لئلّا تجيء ستّي ، فتراك ، وليس معك شيء ، فتحرد عليّ ، لم أدخلتك ، فأخرج برّا « 3 » ، حتّى أصعد فأكلّمك من فوق ، فخرج ، وجلس ينتظر أن تخاطبه من روزنة في الدار ، إلى الطريق ، فأقلبت عليه مرقة سكباج « 4 » ،
هامش
( 2 ) أدركت البقّالين ببغداد وهم يعرضون السفرجل في دكاكينهم ، وقد أحيط من فوقه ومن تحته بالقطن ، ويتّضح من هذه القصّة أنّ هذا الآيين في عرض السفرجل ، كان متّبعا منذ عهد القاضي التنّوخي ، أي منذ أكثر من ألف عام ، ولعلّ السبب في ذلك أنّ القطن يحفظه من التعرّض للفساد ، كما أنّه يحول دون أن يسحق بعضه بعضا ، والعامّة ببغداد الآن يسمّون السفرجل : حيوه .
( 3 ) برّا : يعني خارج الدار ، ( كتاب أخلاق الوزيرين ص 149 ) ، أقول : لم تزل الكلمة مستعملة ببغداد .
( 4 ) السكباج : مرق يصنع من اللحم والخلّ ومواد أخرى ، راجع كتاب الطبيخ للبغدادي 13 أقول :
السكباج شديد الحموضة ، لموضع الخلّ فيه ، والعامة ببغداد ، إذا شكوا من حموضة طعام ، قالوا :
حامض كأنّه سكباج .