من أصدقاء أخي ، من آخذ منه ما أريد .
فكساني الأعرابي ، وكسا المرأة والصبيّة ، ووطّأ لي راحلة « 8 » ، وحمل معنا من الماء والزّاد كفايتنا ، وركب هو راحلة أخرى ، وكان أكثر من وصل معنا [ 93 ر ] إلى ذلك الموضع ، قد تأتّى له مثل ما تأتّى لي ، فصرنا رفقة صالحة العدد .
فلمّا كان بعد أيّام ، شارفنا دمشق مع طلوع الشمس ، فإذا بأهلها قد خرجوا يستقبلوننا ، وكلّ من له صديق أو معرفة ، يسأل عنه ، وقد بلغهم خبر القطع ، فما شعرت إلّا بإنسان يسأل عنّي ، بكنيتي ونسبي .
فقلت : ها أنا ذا .
فعدل إليّ ، وقال : أنت أبو محمّد الأزرق الأنباري ؟
فقلت : نعم .
فقال : إليّ ، وأخذ بخطام « 9 » راحلتي ، وتبعني الأعرابي براحلته ، حتّى دخلنا مع الرّجل دمشق .
فجاء بنا الرّجل ، إلى دار حسنة سريّة « 10 » ، تدلّ على نعمة حسنة ، فأنزلنا ، ولم أشكّ أنّه صديق لأخي .
فنزلت ، وأنزلت الأعرابي معي ، وأخذت جمالنا ، وأدخلنا الحمّام [ 121 م ] وألبست خلعة « 11 » نظيفة ، وفعل بالمرأة والصبيّة مثل ذلك ، وأقمت عنده يومين في خفض عيش ، لا أسأله عن شيء ، ولا يسألني .
هامش
( 8 ) الراحلة من الإبل : ما كان منها قويا على الحمل والسفر .
( 9 ) الخطم : الأنف ، والخطام ، بكسر الخاء ، والجمع خطم : كلّ ما وضع في أنف البعير ليقاد به .
( 10 ) السريّ : الجيّد من كلّ شيء .
( 11 ) الخلعة ، بكسر الخاء : الثوب الذي يعطى منحة ، وفي أيّامنا ، كان من المتعارف في بغداد ، إذا عمّر الإنسان دارا ، فإنّ عليه أن يمنح البنّاء الذي قام بالعمل خلعة ، وتكون عادة من الثياب الغالية ، سواء كان الثوب مخيطا أو غير مخيط وقد درست هذه العادة الآن .