سرنا ، فلأن نسير في [ 156 غ ] طلب الخلاص فلعلّ اللّه أن يرحمنا ويخلّصنا ، أولى من أن نموت هاهنا ، وإن متنا في سيرنا كان أعذر .
فساعدوني ، وسرنا يومنا وليلتنا ، وأنا أحمل الصبيّة ابنة أخي ، لأنّ أمّها عجزت عن حملها ، وكلّما طال علينا الطّريق ، ولم نر إنسانا ولا محجّة « 5 » ، أحسسنا بالهلاك ، ومات منّا قوم ، وأنا خلال ذلك ، قد بدأت بقراءة ختمة ، وأنا متشاغل بها ، وبالدّعاء .
إلى أن وقعنا في اليوم الثّاني ، على حلّة « 6 » أعراب ، فأنكرونا ، فلم أعمل عملا ، حتّى ولجت بيت امرأة منهم ، فأمسكت ذيلها ، وكنت سمعت أنّ الإنسان إذا عمل ذلك أمن شرّهم ، ووجب حقّه عليهم ، ثمّ تفرّقنا في البيوت .
واختلفت أحوال النّاس ، فأمّا أنا ، فإنّ صاحب البيت الّذي نزلت عليه ، لما رأى هيبتي ودرسي للقرآن ، أكرمني ، ولم أزل أحادثه وأرفق به .
فقال لي : ما تشاء ؟
فقلت : تركبني وهذه المرأة ، وهذه الصبيّة ، راحلة ، وتسير معنا إلى دمشق على راحلة أخرى ، بزاد وماء ، حتّى أعطيك ثمن راحلتك وأهبها لك ، وأقضي حقّك بعد هذا .
قال : فتذمّم « 7 » واستحيا ، وقدّرت أنّي إذا دخلت دمشق ، وجدت بها
هامش
( 5 ) المحجّة : الطريق .
( 6 ) الحلّة ، بكسر الحاء ، وجمعها حلل وحلال : مجمع القوم النزول فيهم كثرة ، أقول : إذا كانت بيوت القوم النزول من القصب ، فهي حلل ، واحدتها حلّة ، فإن كانت من السعف ، فهي صرائف ، واحدتها : صريفة ، فإن كانت من الشعر ، فهي أخبية ، واحدها : خباء ، ومن شهيرات الحلل ، الحلّة ، المدينة المعروفة في العراق ، فقد كانت من قبل تضمّ حلل عساكر الأمير دبيس المزيدي الأسدي ، ملك العرب ، وهي إلى الآن تسمّى : حلّة دبيس .
( 7 ) تذمّم : استحيا .