حدّثني محمّد بن يحيى بن أبي عمر « 1 » قال : سمعت سفيان بن عيينة - وذكر عنده الفضل بن الرّبيع « 2 » وضرباؤه - فأنشأ سفيان يقول : [ من البسيط ]
كم من قويّ قويّ في تقلّبه * مهذّب الرّأي عنه الرّزق منحرف
ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط * كأنّه من خليج البحر يغترف « 3 »
قال أبو حاتم [ رضي اللّه عنه ] : من نازعته نفسه إلى القنوع ، ثمّ حسد النّاس على ما في أيديهم ، فليس ذلك لقناعة ولا لسخاوة ، بل لعجز وفشل ؛ ومثله « 4 » كمثل حمار السّوء الّذي يفرح « 5 » بخفّة حمله ، ويحزن إذا رأى العلف يؤثر به ذو « 6 » القوّة والحمل الثّقيل ، فالقانع الكريم أراح قلبه وبدنه ، والشّره اللّئيم أتعب قلبه وجسمه ، والكرام أصبر نفوسا ، كما أنّ اللّئام « 7 » أصبر أجسادا « 8 » .
هامش
( 1 ) قال ابن حبان في الثقات ( 9 / 98 ) : محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ ، أبو عبد اللّه ، سكن مكّة ، يروي عن : ابن عيينة ، حدثنا عنه شيوخنا : إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل ، وغيره ، مات بمكة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث وأربعين ومئتين . أقول : كان رجلا صالحا صدوقا ، حجّ سبعا وسبعين حجّة . انظر تهذيب الكمال للمزي ( 26 / 639 ) .
( 2 ) هو الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن أبي فروة ، واسم أبي فروة : كيسان ، وكنية الفضل : أبو العباس ، وكان حاجب هارون الرشيد ، ومحمد الأمين ، وكان أبوه حاجب المنصور والمهدي ، ولما أفضت الخلافة إلى الأمين قدم الفضل عليه من خراسان - وكان في صحبة الرشيد إلى أن مات بطوس - فأكرم الأمين الفضل وألقى أزمة الأمور إليه ، وعوّل في مهماته عليه . ولد سنة 140 ه أو 138 ه . ومات سنة 208 ه .
تاريخ بغداد ( 12 / 343 - 344 ) .
( 3 ) ذكر البيتين ابن عبد البر في بهجة المجالس ( باب الرزق ) وإبراهيم البيهقي في المحاسن والمساوئ ( مساوئ الحمق ) دون نسبة .
وذكر البيتين التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب لأبي عبد اللّه ابن محمد بن فتح الأنصاري الثغري .
( 4 ) في المطبوع : ( فمثله ) .
( 5 ) في المطبوع : ( يعرج ) .
( 6 ) في المخطوط : ( ذي ) .
( 7 ) في المطبوع : ( واللئام ) .
( 8 ) هذا الكلام مقتبس من كتاب الأدب الكبير لابن المقفع ( ص 86 ) حيث قال : واعلم أنّ اللّئام أصبر أجسادا ، وأنّ الكرام هم أصبر نفوسا .