يستعظم وحقارته حتى يفارقه ، كشعر الرأس الذي يخدمه صاحبه ويكرمه ما دام على رأسه ، فإذا فارق رأسه استقذره ورفضه .
يا نفس لا تملي من عيادة المرضى ومداواتهم ، واعتبري كيف يجهد الرجل أن يفرج عن مضيم واحد « 1 » كربة واحدة ويستنقذه منها رجاء الأجر . فكيف بالطبيب الذي يفعل كثيرا من ذلك مع كثيرين ، إن هذا الخليق أن يعظم رجاؤه ويوثق منه بحسن الثواب .
يا نفس لا يبعد عليك أمر الآخرة فتميلي إلى العاجلة في استعجال القليل وبيع الكثير باليسير كالتاجر الذي كان له ملء بيت من الصندل « 2 » فقال : إن بعته وزنا طال عليّ فباعه جزافا « 3 » بأبخس الثمن . وقد وجدت آراء الناس مختلفة وأهواءهم متباينة وكل على كل عاد « 4 » وله عدو ومغتاب « 5 » وفيه واقع .
فلما رأيت ذلك لم أجد إلى متابعة أحد منهم سبيلا وعرفت أني إن صدقت أحدا منهم لا علم لي بحاله كنت في ذلك كالمصدق المخدوع .
مثل المصدق المخدوع
زعموا فيه أن سارقا علا ظهر بيت رجل من الأغنياء وكان معه جماعة من أصحابه ، فاستيقظ الرجل من وطئهم فأيقظ امرأته فأعلمها بذلك وقال لها : رويدا إني لأحسب اللصوص علوا على البيت فأيقظيني بصوت يسمعه اللصوص وقولي : ألا تخبرني ، أيها الرجل ، عن أموالك
هامش
( 1 ) مضيم : اللاحق به الضيم أي الظلم .
( 2 ) الصندل : حب طيب الرائحة .
( 3 ) جزافا : هدرا بلا فائدة .
( 4 ) عاد : معتد .
( 5 ) مغتاب : قادح في غيره وهو غائب .