إليه « 1 » منها ؟ ألا تستحين من مشاركة الفجار في حب هذه العاجلة الفانية التي من كان في يده منها شيء فليس له وليس بباق عليه فلا يألفها إلا المغررون الجاهلون ؟
يا نفس انظري في أمرك وانصرفي عن هذا السّفه « 2 » وأقبلي بقوتك وسعيك على تقديم الخير وإياك والتسويف واذكري أن هذا الجسد موجود لآفات « 3 » ، وأنه مملوء اخلاطا فاسدة قذرة متعادية متغالبة تعقدها الحياة ، والحياة إلى نفاد كالصنم المفصلة أعضاؤه إذا ركبت ووضعت جمعها في مواضعها مسمار واحد يمسك بعضها على بعض ، فإذا أخذ ذلك المسمار تساقطت تلك الأوصال « 4 » .
يا نفس ، لا تغتري بصحبة أحبائك وخلانك ، ولا تحرصي على ذلك كل الحرص ، فإن صحبتهم على ما فيها من البهجة والسرور كثيرة المؤونة والأذى وعاقبة ذلك الفراق . ومثلها مثل المغرفة التي تستعمل في جدتها لسخونة المرق ولذعه ، فإذا قدمت صارت وقودا في النار .
يا نفس لا يحملنك أهلك وأقاربك على جمع ما تهلكين فيه إرادة صلتهم « 5 » فإذا أنت كالدخنة « 6 » الأرجة « 7 » التي تحترق ويذهب آخرون بريحها .
يا نفس لا تركني إلى هذه الدار الفانية ، ولا تغتري بها طمعا في البقاء والمنزلة التي ينظر إليها أهلها . فكأي « 8 » ممن لا يبصر صغر ما
هامش
( 1 ) تشرهين اليه : تحرصين عليه حرصا شديدا .
( 2 ) السفه : الخفة والطيش .
( 3 ) آفات : أعراض مفسدة .
( 4 ) الأوصال : الأعضاء .
( 5 ) صلتهم : الاحسان إليهم .
( 6 ) الدخنة : نوع من الطيب المنتشر الرائحة .
( 7 ) الارجه : ذات الأريج وهو الطيب الرائحة .
( 8 ) فكأي : فكم ، وهي تفيد الكثرة .