لونين ولسانين . وإنما عذوبة ماء الأنهار ما لم تبلغ إلى البحار ، وصلاح أهل البيت ما لم يكن بينهم المفسد . وإنه لا شيء أشبه بك من الحية ذات اللسانين التي فيها السم ، فإنه قد يجري من لسانك كسمها ؛ وإني لم أزل لذلك السم من لسانك خائفا ، ولما يحلّ بك متوقعا « 1 » . والمفسد بين الإخوان والأصحاب كالحية التي يربيها الرجل ويطعمها ويمسحها ويكرمها ، ثم لا يكون له منها غير اللدغ .
وقد يقال : الزم ذا العقل وذا الكرم وذا الأصل الطيب ، واسترسل إليهم « 2 » وإياك ومفارقتهم ، واصحب الصاحب إذا كان عاقلا كريما أو عاقلا غير كريم أو كريما غير عاقل : فالعاقل الكريم كامل ؛ والعاقل غير الكريم اصحبه ، وإن كان غير محمود الخليقة « 3 » ، واحذر من سوء أخلاقه وانتفع بعقله ، والكريم غير العاقل الزمه ولا تدع مواصلته ، وإن كنت لا تحمد عقله ، وانتفع بكرمه وانفعه بعقلك . والفرار كل الفرار من اللئيم الأحمق ، وإني بالفرار منك لجدير . وكيف يرجو إخوانك عندك كرما وودا وقد صنعت بملكك الذي أكرمك وشرفك ما صنعت ؟ وإن مثلك مثل التاجر الذي قال : إن أرضا تأكل جرذانها مئة منّ « 4 » حديدا ليس بمستنكر لبزاتها أن تختطف الفيلة . قال دمنة :
وكيف كان ذلك ؟
قال كليلة : زعموا أنه كان بأرض كذا تاجر ، فأراد الخروج إلى بعض الوجوه « 5 » لابتغاء « 6 » الرزق ، وكان عنده مئة منّ حديدا فأودعها رجلا من إخوانه وذهب في وجهه « 7 » . ثم قدم بعد ذلك بمدة ، فجاء والتمس الحديد فقال له : قد أكلته الجرذان . فقال : قد سمعت
هامش
( 1 ) متوقعا : منتظرا .
( 2 ) استرسل إليهم : تعمق في مودتهم .
( 3 ) الخليقة : الطبيعة .
( 4 ) المن : رطلان شاميان .
( 5 ) بعض الوجوه : بعض الجهات .
( 6 ) الابتغاء : الطلب .
( 7 ) في وجهه : ما توجه له ، ذهب لعمله .